رحيل: برهان علوية من “كفر قاسم” إلى سحر السينما وأرنون

كامل جابر

الخميس 9 أيلول/سبتمبر 2021

يرحل برهان علوية، الساحر السينمائي التوثيقي عن ثمانين عاماً، جرّاء أزمة قلبية مفاجئة أصابته ليل أمس في العاصمة البلجيكية بروكسل، مستسلماً إلى الضجر من الترحال ومن الوجع والسقم، ومن سمعة بلاد أحبّها حتى نسغ العضم، بيد أنّ حكامها مالوا على أهلها بسياط السمسرة والمحسوبيات والنهب وصولاً إلى طوابير الذل التي لا تعدّ أو تحصى…

يرحل شيخ السينمائيين اللبنانيين، ابن أرنون، القرية الشامخة مثل قلعتها الشقيف، وفي قلبه حب لا ينطوي للبنان وفلسطين، فلسطين التي جسد قضاياها أيمى تجسيد، لا سيما في فيلمه الشهير “كفر قاسم” المجزرة التي ارتكبها الصهاينة بدم بار، تماماً مثل كل المجازر التي تمثّل نهجهم وتاريخهم الحافل… يأخذنا الفيلم الى العام 1956 عشية الهجوم الإسرائيلي على مصر، مع إعلان الإحتلال الإسرائيلي حظر تجوّل في المناطق العربية في فلسطين المحتلة من دون سابق إنذار للسكان، فيفاجأ أهالي “كفر قاسم” لدى عودتهم من أعمالهم بحصار من قِبل الإحتلال الإسرائيلي الذي سيرتكب لاحقاً ما يُعرف تاريخياً بمجزرة “كفر قاسم”.

أعود إلى تقديم له في خلال تكريمه، في المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في النبطية بتاريخ 15/06/2007، وقد عرض في هذا اللقاء شريط “كفر قاسم”:

لا تدري ما السر الذي يقودك نحو صناعة صورتك، وأنت تلامس عتبات بركة أرنون، إذ كيفما تدور هناك، يساورك المجد؛ من السماء، فتأسرك عظمة التاريخ من قلعتها الشقيف، أو من الأرض إذ يتسرب إليك حنان مبعثه رائحة عرق الجدود وملح دماء المقاومين؛ ونسيم ركن حجري صامد خلف سلسال صخري يلقي على مسامعك وشوشات صِبْيَةٍ، “تنطّطوا” هناك، وتعفروا في كل هذه الأمجاد، فأينعوا نماذج في الإبداع والسِّيَر، من هناك بالذات وأنت تستعيد كل الصور، وصورتك، ترى سحر أرنون في صناعة الحدث الذي تجلى برهان علوية…

نحن لا نتباهى ادعاءً ببرهان علوية، بل نرتفع بانتمائنا إلى ثقافته ومقاومته وأسلوبه في التعبير عن قضايا أمتنا؛ ونعتز بهذا الفنان المبدع المثقف، الطالع من أرضنا، من عرقها وملحها، ومن جنوبنا ووطننا ومن عالمنا العربي؛ محلقاً عالمياً صورة للجماعة التي تعرف تاريخها وعدوها وثقافتها، وتجيد التنويع وصناعة الأحلام والحقيقة في آن، وترتقي المجد.

إنه عام 1974، والتأريخ بات مثقلاً بالاحتلالات والنكسات والمجازر، وكذلك بالهزائم النفسية لمقاومين من نوع آخر، عروبيين ويساريين رفعوا رايات الالتزام وتقدموا انتفاضات الممانعة وتظاهراتها، واعتنقوا الثورة؛  أينع الانصراف إلى شحذ الأنفس والتمرد على الواقع، ويروح كل من زاويته يبحث عن موقع يلقي من خلاله ثقافته وممانعته وثورته؛ هنا اختار برهان علوية نقطة انطلاق مفعمة بدراسة متخصصة في السينما، مبحرة في فلسطين وقضايا فلسطين؛ وتحت عنوان “السينما وسيلة للدفاع عن القضية، والصورة سلاح إيديولوجي”؛ وفي أعقاب تجربة ناجحة أولى بدأت عام 1972، ولد “كفر قاسم” الفيلم، عن المجزرة التي ارتكبها الإسرائيليون ضد العمال العزّل من أبناء قرية كفر قاسم الفلسطينية، في العام 1956؛ ليشكل منعطفاً، برغم كل المجازر التي سبقتها أو أعقبتها، في مسلك النجاحات المستمرة ونقطة تحول من مرحلة ابتلاع المأساة والاستكانة إلى الهزيمة، باتجاه منحى المجاهرة بالحقوق ورفع الصوت في كل أرجاء المعمورة: “إننا أصحاب القضية المحقة، وهذا هو عدونا، وهذه هي حربنا المقبلة”.

لم أقف على ما همسه ذاك المسن من أرنون لنديمه وهو يخبره عن جائزة حفيده برهان علوية المعنوية على فيلمه “كفر قاسم” وكذلك المادية؛ وإلى ما وصل الجدل القروي حول الثقافة بعدها؛ إنما شاهدت صور أرنون من على حافة أسلاكها الشائكة التي كانت تحاول في العام 1999 عزلها عن الوطن، نحو احتلال مباشر آخر، ورأيت ذاك الشيخ الراحل، الحاج يوسف حنون، نديم الإعلاميين وملهم تنويع صورهم، كيف يحمل في كل يوم جسده الثمانيني النحيل المتكيء على عكاز، ليصوب بدأب غير منقطع عيونه نحو أديم الأرض، لا يطيق هذا الشوك الحديدي الذي يعزله عن نصفه الآخر في القرية المحاصرة، ينفث الأسى والوجع أكثر من مرة، بيد أنه لم يستسلم؛ إنه عهد أبناء أرنون في صناعة حريتهم وأمجادهم وجوائزهم؛ إنه عهد برهان علوية في حثّ الذاكرة و صناعة السينما الهادفة والملتزمة المعبرة عن ذاته التواقة للثورة، المتنقلة بين أيامنا وأحلامنا وأوجاعنا وبحثنا عن الخبز والحب والحرية؛ فتصير ثقافة تحتذى، تقطف جوائز الإبداع النوعي.

من عناوين أفلام برهان علوية الوثائقية والروائية، تتلمس الدلالات على سينمائه، فتستسلم لربان يبحر بك في التفاصيل والأزقة الشعبية وصراع الذات والجماعة؛ يدلك على الأشياء، تراها على سجيتها فيغوص بك في كنهها، وقبل النهاية يقول لك: ها هنا الخلاص؛ وها هنا السحر والفن والجمال.

“ملصق ضد ملصق”، “كفر قاسم”، “لا يكفي أن يكون الله مع الفقراء”، “بيروت تحترق”، “رسالة من زمن الحرب”، “رسالة من زمن المنفى”، “حرب الخليج، ماذا بعد؟”، “أسوان”، “إليك أينما تكون”، وآخر العنقود، وليس آخرها “خلص”؛ كلُّ هذه العناوين التي شكلت مسيرة برهان علوية وجدلَه والتزامه وفنه، نراها تيجان اعتزاز لنا، نحن في المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، في “نادي السينما”، وفي مختلف أنديتنا وجمعياتنا والأطر المحلية والسياسية والاجتماعية والثقافية والتربوية، في الجنوب والنبطية وعلى مختلف جهات الوطن، ونفتخر بأننا نحظى اليوم بشرف تكريم هذا المبدع الخلاق الرائد النجيب برهان علوية، والاطلاع على نموذج من إبداعه “إليك أينما تكون”.