موسى المعماري بنى حلمه قلعة نادرة.. وترجّل…

غيّب الموت المعماري صاحب وباني القصر أو القلعة الشهيرة التي حملت اسمه «قصر موسى»، الفنان موسى عبد الكريم المعماري، عن عمر يناهز الـ87 عاماً بعد أزمة صحيّة. وسيقام جناز لراحة نفسة بعد غد السبت الثالثة بعد الظهر في كنيسة سيدة التلة في دير القمر ويدفن في مدافن العائلة في البلدة.

وتميز المعماري بإبداع فني ظهر من خلال تحقيق «حلمه الكبير» ببناء قلعته من دون أي مساعدة، لا هندسة ولا تنفيذاً، حجراً بحجر بيديه على مدى عقود وعلى مراحل متواصلة. وقد احتاج إلى 60 سنة (21900 يوم أو394200 ساعة) من العمل، لبناء «قصر موسى»، الذي بدأ العمل فيه عام 1962 وبناه بيديه مستخدماً الحجارة والطين حيث وضع أشخاصاً متحركة تمثل مشاهد مختلفة من حياة القرية اللبنانية القديمة في القرن الـ19، ليصبح في ما بعد تحفة فنية ومعلماً معمارياً وسياحياً بارزاً يزوره مئات الألوف من السياح سنوياً.

وقد نعاه رئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنيلاط في تغريدة عبر «تويتر» قائلاً «فقد لبنان وفقدت منطقة الشوف فناناً معمارياً نادراً ألا وهو موسى المعماري»، مشيراً إلى أنه «بنى قلعته وزينها على مدى سنوات طوال وحقق بذالك حلم حياته فكانت مقصداً لجميع اللبنانيين والسواح من كل حدب وصوب». وقال «كم نحن بحاجة الى أمثالك يا معلم موسى لنبني لبناناً جديداً صلباً مثل قلعتك. رحمك الله».

كما نعى وزير الثقافة غطاس الخوري «الفنان المبدع موسى المعماري الذي وافته المنية عن عمر ناهز الـ87 عاماً قضى معظها عاملاً لوحده من أجل تحقيق حلمه لبناء قصره المعروف اليوم بـ«قصر موسى»».

وقال الخوري «رحيل باني»قصر موسى«يشعرنا بالحزن ونتذكره لطالما ردد في مقابلاته انه قضى معظم عمره متحديا الصعاب والمشاكل التي واجهته وأبى ان يستسلم لليأس، وبقي مثابرا حتى تمكن من تحقيق حلم راوده منذ الصغر. موسى المعماري مثل يحتذى لكل انسان في مواجهة الصعاب مهما كانت لتحقيق ما يؤمن به، رحل تاركا ارثا ثقافيا ومعلما لبنانيا يجب المحافظة عليه».

وتتقبل عائلة الراحل التعازي ايام السبت والأحد والإثنين في صالة كنيسة سيدة التلة دير القمر ابتداء من الساعة الحادية عشر لغاية الساعة السادسة مساءً.

كامل جابر

في العام 2012 كانت لي مقابلة مطولة مع هذا المبدع الظاهرة، وكان حديث حول الذاكرة وفكرة بناء القلعة… أعيد نشره في يوم رحيل رجل عصامي صنع حلمه بيديه ومن بنات أفكاره…

موسى المعماري

العاشق بنى “قصر موسى” والحبيبة ظلت خارج أسواره

كامل جابر

صوتان هتفا داخل الفتى، فبدلا مجرى حياته؛ نداء القلب وهو يوعد الحبيبة، ابنة العزّ، أن يبني لها قصراً أروع من قصر أبيها؛ ونبوءة والدته “بأنك يا ولدي ستمسك التراب ويتحول ذهباً بين يديك، ويغدو اسمك على كل شفة ولسان”، فكان أن بنى موسى المعماري قصره الشهير، في بيت الدين، ليغدو قبلة سياحية ليست لبنانية فحسب، إنما عالمية وعربية. في قصر موسى المعماري كان اللقاء مع صاحب القصر.

هو موسى ابن عبد الكريم المعماري، الوكيل الأول للمستشار الفرنسي “برانشيه” في طرطوس، ابن حارة السرايا القريبة من أسوار قلعة الحصن السورية. كان الوالد كثير الترحال وخدم عسكريته في مناطق لبنانية متعددة. في قرية الفاكهة، قرب بعلبك، وضعت الوالدة يمنى أيوب المعماري مولودها موسى عام 1931، وحملته معها إلى حارة السرايا ليسجل في قيود العائلة المتحدرة من معماريين توارثوا حرفتهم أباً عن جد. في السادسة من عمره أرسلته والدته إلى مدرسة القرية، ثم لضرورة التحاق العائلة بمركز عمل الوالد في طرطوس، سجل الفتى في مدرسة “المتنبي” وكان قد بلغ الثالثة عشر.

“الحب العذري يجعلك تفتت الصخر، ومن المشاهير الكونيين”، هذه العبارة لا ينفك يرددها موسى المعماري أمام ضيوف قصره من السياح اللبنانيين والعرب، وبقي منذ أن بدأ يستقطب الزوار في مشروع العمر، يروي قصة عشقه الذي دفعه إلى بناء القصر. يقول الراوي: “من سوء طالع الفتى، أن يدق قلبه لفتاة من جيله، هي “سيدة” ابنة حاكم الناحية في طرطوس وصاحب أكبر قصر فيها، فيبث إليها لواعج قلبه؛ لكنها عيرته بفقره، وقالت له: قل لوالدتك أن تشتري لك حذاء، وعندما يصبح عندك قصر يمكنك أن تتحدث إليّ، فأبي لن يزوجني إلا ممن يملك قصراً مثل قصره؛ وعدها ببناء القصر، لكنها سخرت منه”.

في ساعة الرسم المقررة، يطلب المعلم أنور عرنوق من تلامذته رسم عصفور على شجرة، يقوم التلميذ موسى برسم “قصر حبيبته” فيسأل المعلم تلميذه: “أهذه قلعة أجدادك؟ أجبته: رأيت هذه القلعة في الحلم، وسوف تراها أنت وابنة الجيران (سيدة) الحلوة حقيقة. فمان كان منه إلا أن انهال علي بالضرب أمام رفاقي بقضيب الرمان وهو يردد: بدك تعمل سرماية عتيقة، هذا قصر أبيك؟ هذا قصر أمك؟ ثم مزق الرسم ورماه على الأرض، فحملت القطع وغادرت متوعداً بتحقيق الحلم”.

لطالما ردد موسى المعماري أن قصة حياته “تصح لأن تكون فيلماً سينمائياً شيقاً، أو حتى مسلسلاً تلفزيونياً”. لا ينفك أدب الرواية يحضر بشدة في قصة صاحبنا، هذا الأدب المتراكم في ذهنه من حكايات جدته لأبيه “حُسن” إم رشيد، عن الزير سالم والشاطر حسن، وفق موسى المعماري في استخدامه ليرفد المشروع الأساس، بما لا يقل أهمية عنه، فالرواية هنا سوقت للقضية الحلم، والتماثيل التي حكت فصولاً عن الرواية، رغم انها صامتة أو متحركة، فهي نطقت بلسان صانعها المرافق لكل زائر، وقالت ما قالته، لتترك في المتلقي أثر التشويق والتعاطف.

الحب والوعد ورؤى الوالدة، إلى جانب احساس الفتى بالفقر المدقع، جعلته يقرر هجران المدرسة والبيت والحي من دون أن يعلم أحداً، يحمل معه خريطة قصره الممزقة خمس قطع، وخصلة من شعر الحبيبة، ويتوجه سيراً على الأقدام بحثاً عن عمه عيسى، المعماري في ترميم قلعة صيدا البحرية في جنوب لبنان، “كان ذلك في التاسع من أيار 1945، يوم إعلان هزيمة ألمانيا واستسلامها، ولا شيء يدور في خيالي غير سيدة والقصر”. درب جلجلة الآلام بدأت من هنا، فيتحمل الفتى العذاب، خواء البطن وفراغ الجيب، حتى يصل إلى صيدا، ووسط رفض عمه ثم قبوله يستقر به الأمر هناك عدة سنوات، تجعله محترفاً في الترميم الأثري والتراثي وتؤهله للتنقل بين المتاحف والقصور، منها قصر الأمير بشير في بيت الدين، في الشوف. يتوظف في شركة الكهرباء التي أفضت إلى إدارته مزرعة لتربية الدواجن في بيت الدين تعود لسامي بك البستاني، الذي كان مديره في شركة الكهرباء، هناك بدأ ينفذ مشاريع ومجسمات ونواعير تتحرك بواسطة الماء. كل ذلك على مدى ست سنوات، مكنه من جمع مبلغ 15 ألف ليرة لبنانية، قسمتها والدته ثلاثة، بين تزويجه من ابنة قائمقام دير القمر ماريا عيد وشراء قطعة أرض تبلغ ثمانية دونمات وبقيت لديه خمسة آلاف ليرة “كانت العجينة التي شرعت من خلالها أبني حلم العمر، بدءاً من سنة 1962”.

حمل موسى المعماري حجارة القصر حجراً حجراً على ظهره “وقد تجاوز بعضها مئة كيلوغرام و150، حتى نقلتُ 6540 حجراً ضخماً تسببت لي اليوم بترقرق في العظام، فيما سبب العمل في تقصيب الحجارة بطول يد اليمنى سنتيمترين وأربعة ميلمترات”. بعد أربع سنوات من العمل الدؤوب، بمشاركة زوجته، صار بإمكانه استقبال بعض الزوار الذين بدأ يلفتهم قيام هذه الحجارة المنحوتة والأبراج، “منهم الرئيس كميل شمعوني الذي أتى مع زوجته السيدة زلفا، ثم ساعدني في الحصول على قرض طويل الأمد (60 ألف ليرة) من بنك التسليف الزراعي بفائدة ضئيلة، بعدما أهداني العام 1948 الجنسية اللبنانية، وكان في حينه وزيراً للداخلية، وألحقني بأقرباء لي في دير القمر”. كذلك زاره الشهيد كمال جنبلاط وساعده في الحصول على مبلغ عشرة آلاف ليرة لبنانية، وبين تبرعات من هنا وهناك، ورسوم الدخول وبيع مجسمات كان ينحتها هو من خشب الزيتون و”شالات” وشراشف طاولات تحيكها زوجته من الصوف، تمكن موسى المعماري من وضع حلمه قيد التنفيذ، ليستقبل الزوار والسائحين بشكل رسمي منذ عام 1967، لأنه صار بعد هذا التاريخ يعمل على تحقيق معظم المجسمات والأدوات المتحركة التي تنتشر في غرف القصر وطبقاته الثلاث، واستطاع أن يجسد 75 شخصية هم أفراد عائلته، جدتاه وأقرباؤه وجميع الفلاحين الذين آزروه في بناء القصر، مثلما أعانهم هو في بناء بيوتهم، وأناط بكل شخصية حرفة كانت تشكل مجتمعة حياة القرية، وتنطق بجزء من الرواية. ولم ينس تجسيد الصف وأستاذه العرنوق ورفاقه، بعدما ذهب إلى سوريا وأحضر طاولات الصف ولوحها.

“دخلناها شباباً وخرجنا شيباً” عبارة علقها موسى المعماري على بوابة قصره لتختزل قصة عمره الذي أفناه ببناء القصر، الذي دخلته حبيبة أخرى وساهمت معه في البناء “هي قصة الحب والحرمان والقمع التي جعلت القصر قلعة حقيقية، فربما لو أنني تزوجت من حبيبتي الأولى، ولم يضربني المعلم، لكنت الآن آكل البطاطا معها”. ولاستكمال الرواية، فقد سعى منذ أن بدأ يبني القصر لأن يجعل تلك الحبيبة تزوره. بحث عنها فوجدها في “بروكلين” (أحد أحياء نيويورك) بواسطة ابنة عمه هناك، فدعتها إلى زيارة لبنان عام 2009، ومن ثم قصر المعماري من دون أن تخبرها. يحرص المعماري النحّات على أن تدخل “سيدة” من باب منخفض لتنحني أمامه، “تماماً مثلما ركعتُ أمامها يوم ضربني المعلم لأنني حاولت تقبيلها”. تأملت الزائرة مضيفها ملياً ثم قالت له: “أنت موسى المعماري”. يروي “العاشق” حكاية اللقاء وكيف دمعت عينا الحبيبة وعيناه بعد 67 عاماً من الفراق. “وكذلك بكيت على معلمي أنور العرنوق يوم مات، لأن بفضله قمت بما قمت به”.

في خمسينية قصره، “الذهبية”، يفتتح موسى المعماري المرحلة الأخيرة منه، والثانية من متحفه الحربي والتراثي بعدما كان قد دشنه عام 1997. ويختار التاسع من أيار، تاريخ بدء رحلته لتحقيق حلم القصر، موعداً لذلك. بات المتحف يضم في ثناياه وخزائنه أكثر من 32 ألف قطعة سلاح من مختلف العصور ومعادن وحجارة ثمينة وأساور وألبسة وغيرها، لقد أنفق كل ما ادخره من أموال في سبيل إيجاد هذا المتحف “المرخص”.

عاصر قصر موسى المعماري مختلف حروب الجبل ومعاركه بين القوى اللبنانية، لذلك يردد صاحبه باستمرار “أن يلهم الله الساسة اللبنانيين لكي يحافظوا على هذا البلد، الذي يكفيه ما تعرض له من حروب، لكي يبقى قبلة السياحة في الشرق” ويؤكد أن قصره يأتي في الدرجة الثانية بعد مغارة جعيتا، إذ “يؤمه سنوياً أكثر من 200 ألف سائح من لبنان ومختلف الأقطار العربية والغربية، مع عدد مماثل من تلامذة المدارس”.

لكن ما يحزّ في نفس صاحب القصر، دائماً “أن الدولة لم تعرني الإهتمام اللازم، فلا يوجد في خزائن وزاراتها، خصوصاً وزارة السياحة، كتاب يصنف قصري هذا على الخارطة السياحية، ولن أتحدث عن أدراج الوزارات والبلديات التي خطوت عليها أشهراً وسنوات بحثاً عن الترخيص اللازم”. أما عن القصر “فأنا راحل غداً والقصر باق، قد يستفيد منه أولادي، لكنه لن يكون لهم، سيبقى معلماً لبنانياً، شاء من شاء وأبى من أبى”.

      تواريخ

  • 1931 الولادة في حارة السرايا القريبة من أسوار قلعة الحصن السورية.
  • 1945 غادر سوريا وجاء إلى لبنان سيراً على الأقدام، ليشتغل في ترميم قلعة صيدا البحرية.
  • 1948 منحه الرئيس كميل شمعون الجنسية اللبنانية وكان وزيراً للداخلية في حينه.
  • 1962 باشر ببناء قصره المعروف بقصر موسى المعماري بعد زواجه من ماريا عيد.
  • 1967 انهى مرحلة البناء الأولى في القصر وبدأ ببناء الطبقة الثانية وبمرحلة التجهيز بغية تحويله متحفاً.
  • 1986 نشر كتابه “حلم حياتي” ثم طبع منه أكثر من 150 ألف نسخة.
  • 1997 افتتح متحفه الحربي وكان يحتوي على 16 ألف قطعة سلاح من مختلف العصور.
  • 1999 منحه رئيس الجمهورية إميل لحود وسام الأرز الوطني من رتبة فارس “تقديراً لخدماته بإغناء التراث اللبناني في حقل البناء وتثميناً لإبداعه في مجال فن العمارة”.
  • 2012 (في 9 أيار ذكرى تعرضه للضرب على يد معلمه بعدما رسم القصر) يدشن متحفه الحربي والتراثي الذي بات يضم 32 ألف قطعة.