بالفيديو والصور: فيروز وطن حلمٍ اَ تٍ من المستحيل أبداً/ نحت وكلمات شربل فارس

فيروز
وطن حلمٍ
اَ تٍ
من المستحيل
أبداً
خمسة أشهر، وانا الاحق صوتك في ثنايا وجهك، امضي هنا واتعثر هناك ولا اصل اليكِ
اكثر من خمس محطات من العمل وفي فسحات الراحة اتوقف اتأمل وجهك واقول: “انتهى العمل.. اكتمل وجه فيروز…”
استريح بضعة ايام اقضيها في حضن اغانيكِ،اعود الى محترفي، اكشف عن وجهكِ الطيني، اتراجع بخيبة امل لأقول: “لا… هذه ليست فيروز التي احسها واشعر بها…؟!”.
هكذا كان يدور الصراع الطيني بين حلمي وعينيّ واذنيّ واناملي. لا بل بيني وبينك سيدتي…بين الأنا والأنا، بين الحلم والواقع، بين لبنان ولبنان…بين صوتك الأزلي ووجهك المتقلِّب.

كيف لي ان ازاوج بين صوتكِ ووجهكِ في كتلة الطين؟ كيف لي ان اجسِّد الطبقات الصوتية والتقاسيم الموسيقية في قسمات وجهكِ؟ بين وجهكِ المتحوِّل المتبدَّل مع العمر والزمن وصوتكِ الأبدي السرمدي؟ كيف لي ان اتحوّل الى الهّ ينفخ الطين الرطب ويعيد تشكيل حواء بين يديه ايقونة قديسة ترشح طرباً؟
كان من السهل عليّ نحت وجهكِ كما هو بكل واقعية بيومين او ثلاثة وباستخدام صورتين لكِ او ثلاث. قمت بذلك عدة مرات، ونال وجهك استحسان واعجاب الكثيرين من الأصدقاء الذين زاروا محترفي ولكن..انا لم اكن راضياً ، ولا انتِ…كنت اقول في سري: “هذه ليست فيروزتي…”؛ واعيد عجن وجهكِ امام جوقةٍ من ملائكة النغم والتراتيل وقوافل من المسرح الغنائي…
سيدتي فيروز
في ورشات الطين المتعاقبة تبدّلت الأدوار ،كأنكِ تحولتِ الى نحات وانا الى طينة بين يديكِ، الى اوتار بين طبقات صوتكِ، ان اختصر جيلاً احبك فتمرد عليكِ ليحبكِ اكثر…جيلاً كان قد بدَّد مراهقته وشبابه وراء متاريس الحرب اللبنانية…هذا الجيل يطل برأسه اليوم من وراء تلك الأكياس التي تحولت الى اكياس نفايات تتكدس بين تلافيف ادمغتنا، في زواريبنا، بل اصبحت “خطوط تماس” جديدة تفصل بيننا إنما من دون اسلحة…
كيف نستعيد فيروز؟ ليبقى لنا وطن نعيد ترميمه بما تبقى لنا من أمل وحلم وحب؟…نعم ،تفرقنا في طوائفنا واحزابنا، في ضحكاتنا واحزاننا… وكان صوتك الوحيد الذي يجمعنا. وفي حين كان “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” كان صوتك يعلو فوق الجميع كفراشات ملوَّنة ناعمة تخترق حرائق ودخان خطوط التماس، وكغمامة بنفسجية تحجب عنا رماد ضحايانا…

سيدتي فيروز
بهذه الهواجس كنت اعيش مع وجهكِ الطيني وكنت اسمع اغنياتك الوطنية،لكن بعد “جولات وجولات”، كما كانوا يقولون في حربنا الأهلية، وبعد صراع طويل بين الصور والطين وبين الصوت والصدى والحنين والواقع الأليم…اطلَّ وجهكِ كمعاهدة سلام ووئام بين الحلم والواقع، مع حرية التصرف للمضمون احيانا على حساب الشكل… وبعد مرحلة التماهي والذوبان بين الذات والموضوع وجدتني بين اعمدة بعلبك ووجدت وجهك منصةً للاَلهة… تتراقص كتلة الطين بين يديَّ و على ايقاع الخلود، وبلمسة نورانية مسحت كل التجاعيد عن وجهك وكذلك السنين الناحبة…اتراجع ثم اقترب من كل التفاصيل احذف هنا وازيد هناك واختصر هنالك و”بمسحة رسولية” وضعت في الوجه كل الخلاصات الشفافة مستنفراً الوعي واللاوعي كطفل يتأمل وجه امه…تتراقص كتلة الطين بين يديّ ثم تتمدد على راحتي نوتات موسيقية تنساب على شفتيكِ لتتحول الى اجنحة من المواويل والشروقيات والاندلسيات و…و… وتمسِّد الاجنحة عينيكِ الحالمتين وتبسط جفنيكِ عليهما….عينان تتبادلان اليقظة والحلم،الواقع والخيال…يحاورهما فمّ يطلّ منه اول حرف لاول كلمة في اَ خر اغنية، وبينهما موشح يحبو خجولا على “كراسي” الخدَّين فينزلق على وجنتين تختزنان النشوة والألم…
وجدت في وجهكِ، سيدتي الجميلة فيروز،ثورات مكتومة وترانيم مجنونة وصلوات متمردة…كلما اقتربت وابتعدت عن وجهك تتجلى ملامح قديسة…عذراء…تشّرع قسما من شعرها للعاصفة والقسم الَاخر للهدوء ما قبل العاصفة… منديلك يحتضن بتلات وردة..يلف بخطوطه الدائرية الانسيابية وجه البتول…منديل السيدة العذراء التي تركت اعمدة بعلبك وراحت ترتاح في المغارة وسط تصفيق الجمهور…
فيروز شكراً

نحت وكلمات شربل فارس
تصوير كامل جابر