الرئيسية / تربية - ثقافة - فن / الكاتب الأديب أحمد علبي… وداعاً

الكاتب الأديب أحمد علبي… وداعاً

غيب الموت الكاتب والأديب الدكتور أحمد علبي عن نحو 81 عاماً بعد رحلة طويلة من العطاء الأدبي والثقافي وكتابة المقالة الصحفية والتحقيقات المختلفة. وكان الراحل صديقاً حميماً للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي ولأمينه العام الأديب الأستاذ حبيب صادق.

حياة الكاتب د. أحمد علبي

هو أَحمد سُهيل عُلَبي، كاتب لبنانيّ، متحدّر من عائلةٍ دمشقيّة استوطنت بيروت عام 1900؛ وكان مولده في الأَوّل من حَزِيران (يونيو) 1936. وقد نالت العائلة الهُوِيّة اللبنانيّة عام 1912، وذلك إبّان العهد العثمانيّ. حصّل تعليمه الثانويّ في البَعْثة العَلْمانيّة الفرنسيّة (اللاييك)؛ وأنهاه عام 1955 بالبكالوريا القسم الثاني، فرع الفلسفة. نال من معهد المعلّمين العالي الليسانس والكفاءة التعليميّة في اللغة العربيّة وآدابها عام 1959. كما نال من كلّيّة الآداب بالجامعة اللبنانيّة الليسانس في التاريخ عام 1962. حاز الدكتوراه في اللغة العربيّة وآدابها عام 1984، وذلك من كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بجامعة القِدّيس يُوْسُف في بيروت. وقد نال على أُطروحته تقدير جيّد جدّاً، مع تنويه اللجنة الفاحصة. كتب، خلال ما يزيد على نصف قرن، عدداً وافراً من الأَبحاث العلميّة الأكاديميّة ومن المقالات العلميّة، في الأدب والفنّ والنقد والتاريخ، وذلك في المجلّات الصادرة في بيروت والوطن العربيّ: الثقافة الوطنيّة، الرسالة (جُوْنيه)، الطريق، دراسات عربيّة، الدراسات الأدبيّة (الجامعة اللبنانيّة، قسم اللغة الفارسيّة)، المجلّة التربويّة، الآداب، المسيرة، الباحث، الفكر العربيّ المعاصر، المقاصد، العربي (الكويت)، الأَزمنة، الوحدة (المغرب)، الرؤية، العرفان، حوليّات (جامعة القدّيس يوسف)، أَوراق جامعيّة (الجامعة اللبنانيّة، رابطة الأَساتذة)، المنابر، الأمن، الحكمة، الموقف الأدبيّ (دمشق)، المَشْرق (الصادرة عن الآباء اليسوعيّين)… كان من اهتماماته الأُولى التي تابعها بعدئذ، اهتمامه بثورة الزَّنْج في العصر العبّاسيّ. وهذه الثورة الاجتماعيّة، برغم ما خالطها من عنفٍ وتدمير من الطرفين المتقاتلَيْن: الخلافة والعبيد، هي صفحة من المطالبة بالعدالة الاجتماعيّة وبالخبز والحريّة؛ كما ينبغي أن نعترف جِهاراً، من غير دفاعٍ أَهوجَ عن المؤسّسة الرسميّة. وهكذا كان له، في هذا الميدان الاجتماعيّ الاقتصاديّ، الذي اقتحمه باكراً في حقل الدراسات الإسلاميّة، كتابان: «ثورة الزَّنْج، وقائدها عليّ بن محمّد» (1961)، و «ثورة العبيد في الإسلام» (1985)؛ كما أنّ كتابه «الإسلام والمنهج التاريخيّ» (1975) يشتمل على ثلاثة فصولٍ حول هذه الثورة الداوية. وكان احتفاله بطه حُسَين كبيراً، فعميد الأدب العربيّ هو صاحب «السهل الممتنِع» الجديد في الأدب العربيّ الحديث؛ وهذا الأسلوب الجميل بوّأه، بِلا ريب، مكانة فريدة بين مجايليه الكبار. وبرغم كرور السنين فإنّ طه حسين ما فتئ حاضراً على نحوٍ مضيء، وذلك لأنّ إبداعه الأدبيّ باقٍ ومتميّز؛ كما أنّ الأَسئلة التي طرحها ضِدَّ التخلّف الفكريّ والاجتماعيّ ما زلنا نعاود طرحها. ولقد حاز أَحمد عُلَبي، عام 1984، الدكتوراه، وكان موضوع أُطروحته: طه حسين، من 1889 إلى 1919. وقد نُشرت في مجلّدٍ حمل عُنْوان: «طه حُسَين، رجل وفكر وعصر» (1985). وهي دراسة پانوراميّة شاملة لتلك المرحلة من حياة العميد وعطائه. كما أصدر كتاباً ثانياً: «طه حُسَين، سيرةُ مكافحٍ عنيد» (1990). يتجلّى أسلوبه الأدبيّ وروحه الكتابيّة من خلال ممارسته المقالةَ الأدبيّة، هذا الفنّ الذي كان رائجاً لدى جيل طه حسين والعقّاد والمازني، ويكاد يختفي في زمننا. وله في الحقل الأدبيّ: «تحت وِسادتي، مقالات واعترافات وذكريات» (1986)؛ «في حنايا الوطن الملهَم، نُزُهات وحكايات» (2001)، وهو في أدب الرحلة؛ كذلك هو حال كتاب «بالأَحضان يا بلدنا» (2009) الماثل بين يديّ القارئ. كما صدر له كتاب «يوميّات مجنون ليلى» (2003)، وهو معالجة عصريّة للسيرة الغراميّة الشهيرة. كتب، فضلاً عن المقالة الأدبيّة، الحكايةَ، القصّة، الحواريّة، والقول الحِكَميّ. وله ترجمات وحوارات علميّة. اشتغل في الصِّحافة، وهو لا يزال فتًى، وذلك في جريدة «الحياة» أَيّام مؤسّسها كامل مروّه؛ ثم أقلع عنها سريعاً لأنّه آثر الانصراف بعدئذٍ إلى البحث العلميّ بشقَّيْه الأدبيّ والتاريخيّ. كما له تجرِبة صِحافيّة مشتركَة، في تلك المرحلة الباكرة، مع الصديق، حبيب صادق، وذلك في جريدة «الأخبار» الأُسبوعيّة خلال صيف عام 1954، ربّما في بَدْء صدورها كصحيفة. مارس الكتابة الأدبيّة في الصِّحافة اللبنانيّة والعربيّة، حيث كانت له زوايا حملت غيرَ اُسمٍ: أَفكار هادئة، أَصداف على الشاطئ، حِبْر، نافذة على البحر، هذه الدنيا، الأَيّام، ابتسامة، مشاغلُ شتّى، شُطآن…وقد كتب في جريدة «النداء»، ولا سيّما في أَعدادها الخاصّة، متوسّلاً، فضلاً عن اُسمه، بإسمين مستعارين هما: خطّار الهوى، وأمير أبو الوفا، وذلك بين الأَعوام 75-1989. كما كتب زاوية أدبيّة في جريدة «النهار»، عُنْوانها «حِبْر»، وذلك طَوَالَ ثلاثةَ عَشَرَ عاماً 84-1996. وكتب أيضاً زاوية أدبيّة في مجلّة «الأمن» الشهريّة اللبنانيّة، وذلك، على نحوٍ مستمرّ، بين الأَعوام 1997-2005. كما كتب في جريدة صدى «البلد»، في الصفحة ما قبل الأخيرة، وفي صفحة «تحقيقات وشهادات»، كذلك في الصفحة الثقافيّة، وذلك خلال عامَيْ 2005-2006. صدر له ستّةَ عَشَرَ مؤلَّفاً. وله، قيد الطبع والإعداد، كذلك قيد إعادة التنقيح والإضافة والطبع، عدّة كُتُبٍ.
تُرجم بعض أَعماله إلى الفرنسيّة والإنكليزيّة والفارسيّة. له العديد من المحاضرات فوق المنابر الثقافيّة، ولا سيّما في المجلس الثقافيّ للبنان الجنوبيّ. مارس التعليم الثانويّ فالجامعيّ مدّة أَربعين عاماً (1960-2000)، ثم خرج إلى التقاعد. حيث عمِل أستاذاً للأدب العربيّ الحديث ولمنهجيّة البحث في كلّيّة الآداب بالجامعة اللبنانيّة. كما شارك في التأليف لدى المركز التربويّ للبحوث والإنماء. عضو اتحاد الكتّاب اللبنانيّين واتحاد الكتّاب العرب.

مؤلفاته:

1 ـثورة الزَّنْج، وقائدها عليّ بن محمّد، الطبعة الأُولى، منشورات دار مكتبة الحياة، 1961. الطبعة الجديدة، دار الفارابي، 1991 (نَفِدَ). الطبعة الثالثة، دار الفارابي، 2007. تُرجم إلى الفارسيّة والإنكليزيّة.
2 ـابن المقفَّع، مُصْلح صرعه الظُّلْم، بيت الحكمة، 1968 (نفد).
3 ـالإسلام والمنهج التاريخيّ، دار الطليعة، 1975 (نفد). تُرجم جزئيّاً الى الفرنسيّة.
4 ـطه حُسَين، رجل وفكر وعصر، دار الآداب، 1985.
5 ـثورة العبيد في الإسلام، دار الآداب، 1985.
6 ـالمقاومة في التعبير الأدبيّ (بالمشاركة مع آخرين)، منشورات «المجلس الثقافيّ للبنان الجنوبيّ»، بيروت 1985.
7 ـتحت وِسادتي، مقالات واعترافات وذكريات، دار الفارابي، 1986.
8 ـالمسرح العربيّ بين النقل والتأصيل (بالمشاركة مع آخرين)، سلسلة «كتاب العربيّ» (18)، الكويت 15 يناير 1988.
9 ـالعهد السرّيّ للدعوة العبّاسيّة، أو من الأُمويّين الى العبّاسيّين، دار الفارابي، 1988؛ ط 2، دار الفارابي، 2009.
10 ـطه حُسَين، سيرةُ مكافحٍ عنيد (من سلسلة «رُوّاد التقدّم العربيّ»)، دار الفارابي، 1990 (نفد).
11 ـأَعلام الأدب العربيّ المعاصر، سِيَر وسِيَر ذاتيّة (مجلّدان)، إعداد: الأب روبرت كامبل، راجَعَ قوائم المؤلَّفات وأضاف إليها: د. أَحمد عُلَبي، منشورات «المعهد الألمانيّ للأَبحاث الشرقيّة في بيروت»، 1996.
12 ـالمنهجيّة في البحث الأدبيّ (وهو مرشد علميّ لكتابة الرسالة والأطروحة)، دار الفارابي، 1999.
13 ـفي حنايا الوطن الملهَم، نُزُهات وحكايات (في أدب الرحلة)، دار الفارابي، 2001.
14 ـابن المقفَّع، الكاتبُ والمترجِم والمُصْلح، دار الفارابي، 2002.
15 ـيوميّات مجنون ليلى (في أدب السيرة)، دار الفارابي، 2003.
16 ـبالأَحضان يا بلدنا (في أدب الرحلة)، دار الفارابي، 2009.
17 ـرئيف خوري، داعية الديمقراطيّة والعروبة (من سلسلة «رُوّاد التقدّم العربيّ»)، (قيد الطبع).
18 ـكشكول العُلَبي (قيد الإعداد).
19 ـالأرض في الإسلام، من الفتح الإسلاميّ الى اندحار ثورة الزَّنْج (قيد الإعداد).
20 ـأَقلامٌ فَرَشتْ دربنا بالنُّور (إحسان عبّاس، طه حُسَين، رئيف خوري، جبُّور عبدالنُّور، عبدالرحمن شَهْبَندر) (قيد الإعداد).

بالأحضان يا بلدنا
وفي تسرين الأول 2015 كرمت “لجنة جائزة الاديب جان سالمة”، الأديب الدكتور أحمد علبي في احتفال أقيم في قاعة جمعية “التخصص والتوجيه العلمي” – الجناح، في حضور ممثل نقيب الصحافة عوني الكعكي الصحافي جورج طرابلسي وشخصيات فكرية وأدبية وشعرية واعلامية.

تحدث فيه البروفسور أهيف سنو عن أدب المكرم وقال: “ما أبدعه الدكتور علبي من أدب الخواطر والتأملات والسيرة والرحلة، لا يحجب عنا أبحاثه الأكاديمية. ويمكن تصنيف هذه الأبحاث في محورين أساسيين أولهما التاريخ، وثانيهما الأدب الحديث وأعلامه”.

شاكر
ومن جهته، قال الياس شاكر: “مثلما أبحر كولومبوس غربا وغايته الشرق، غاص أحمد علبي في تاريخنا القديم ليطفو وسط الراهن من أمورنا، متزودا، لمواجهة الأنواء العاتية، بما تحصل له في الرحلة إلى الأعماق من معرفة بمكر التاريخ”.

أضاف: “ليس من باب الصدفة أن الدكتور علبي لم يختر من الكتاب العرب المعاصرين سوى طه حسين ورئيف خوري ليكرس لكل منهما سفرا وافيا في سيرته وفكره”.

الشيخ محمد
وتطرقت الأديبة غريد الشيخ محمد إلى “حديقة المبدعين، حيث يتربع الدكتور علبي”، وقالت: “من الصعب أن تقرأ لأحمد علبي من دون أن تحبه وتحب قلمه وتتبنى القضايا التي يتكلم عنها، فأنت أولا تتأثر بعنوان الكتاب فتحاول أن تستكشف ما وراء هذا العنوان. يستمتع أحمد علبي باللحظة الحاضرة، ولكنه في الوقت ذاته يحلل مكامن الضعف في وطنه، ببساطة وصدق يضع الإصبع على الجرح، ويتمنى أن تستأصل هذه الأمراض التي يعانيها الوطن”.

وختمت: “دخلت حديقة أحمد علبي لأقطف بعض ورودها فوجدتني حائرة من أين أبدأ، وأين أنتهي، فلكل وردة عبيرها، ولكل زهرة عطرها الفواح الذي يشدك إليه”.

علبي
وبدوره، قدم المكرم خطبة بعنوان “خواطر حميمة”، لافتا إلى “أنها انعطافة إلى كنز الذكريات العائلية المشبعة بالتاريخ والطرافة”، مشيرا إلى أن أمه “كانت فرحة بتعاطيه الأدب، بخلاف الأهل قديما، وربما حتى يومنا هذا، الذين يصدون أبناءهم عن الانخراط في حومة الأدب والفن، لأنهما عند رأيهم، لا يطعمان خبزا ولا يخلفان مالا”.

وشكر اللجنة على منحه “جائزة جان سالمة”.

سالمة
وفي الختام، تحدث الأديب جان سالمه عن سبب اختيار اللجنة لعلبي”، وقال: “يعد برأي الكثيرين من الأشخاص الذين أغنوا المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات القيمة، صدر معظمها عن دار الفارابي”.

وفي الختام، قدم سالمة الدرع التكريمية إلى المكرم.