من الذاكرة الفلسطينيّة.. إبان الحُكم العثماني !

 نشرت المقالة بتاريخ 

ولاء خضير – خاص ترك برس

انتشر خبر يفيد بوفاة آخر فلسطينيّة تحمل الجنسية العثمانية، عن عمر يناهز 127 عاما، وهي الحاجة مريم عياش من مواليد عام 1888م، والتي تعيش في مدينة حيفا المحتلة، وذلك قبل 60 عاما من قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي، ونستذكر هنا كيف كانت مجمل الحياة الفلسطينيّة إبان الحكم العثماني!.

كان قد هزم العثمانيون المماليك في حدود عام 1517م، وكانت الدولة العثمانية قد سيطرت على فلسطين عام 1516م، بعد معركة مرج دابق، في 23 آب/ أغسطس من ذلك العام، وعينت “القسطنطينية”، التي صار اسمها فيما بعد “إسطنبول”، حاكما محليا عليها.

كانت البلاد قد قسمت إلى خمس مناطق، تسمى سناجق، هي سنجق القدس، وغزة، وصفد، ونابلس واللجون، وكانت جميعها تابعة لولاية دمشق، ولكن كان الحكم إلى حد بعيد في أيدي السكان الفلسطينيين المحليين.

وفي السنوات الأخيرة من العهد العثماني، كانت فلسطين من الناحية الإدارية تقع في قسمين إداريين، الأول، هو (متصرفية القدس) المستقلة، المرتبطة بوزارة الداخلية في إسطنبول، وكانت أقضية بئر السبع، والخليل، وغزة، ويافا، تابعة لها، بالإضافة إلى بيت لحم.

والثاني، (شمال فلسطين)، الذي كان يتبع لواءين: لواء نابلس، ومن أعماله طولكرم، وجنين، وطوباس، وبيسان. ولواء عكا، ومن أعماله صفد، وطبرية، والناصرة وحيفا. أما من الناحية العسكرية، فكانت فلسطين جزءًا من القيادة العسكرية العامة لولاية دمشق.

الولّاة

كان الصدر الأعظم في إسطنبول، هو الذي يعيّن حكام الولايات عادة، الذين كانوا بدورهم يعيّنون متسلمي الألوية التابعة لولاياتهم.

وكان متسلم لواء القدس، يتمتع بحرية واسعة في إدارة شؤون اللواء، إذا نجح في تحقيق أمرين أساسيين هما: “جباية الضرائب، والأموال المطلوبة لخزينة والي الشام، وتأمين تعاون أبناء النخبة المحلية”، من العلماء والأشراف.

وكان لواء القدس، يشتمل على ثلاث عشرة ناحية “مدينة”، وكانت مدينة الخليل عاصمة أكبرها، وكان يقف على رأس هذه النواحي مشايخ فلسطينيون محليون، يُعيّنون من ولاة الشام، ويتمتعون بمكانة اقتصادية وسياسية مهمة.

القضاء

بحسب بعض المصادر التاريخية، كان يوجد في أوائل القرن التاسع عشر، ديوان أو مجلس للشورى، يعمل إلى جانب متسلم لواء القدس، ويناقش المسائل المهمة المتعلقة بشؤون الإدارة.

وكان هذا المجلس يضم عادة القاضي الشرعي الحنفي، ومفتي الحنفية، ونقيب الأشراف، كما كان يضم أحيانًا عددًا من العلماء، والأعيان، وضباط الفرق العسكرية، وعلى رأسهم “الآلاي بك”، “وآغا الانكشارية”.

وكان القاضي الحنفي في المحكمة الشرعية، هو المسؤول عن تطبيق الشريعة، والقانون، وإقامة العدل بين الناس، وكانت سلطته مستقلة عن الحكام والعساكر، وكان قضاة القدس في أغلبيتهم الساحقة، من غير المحليين.

وقد نجحت عائلات مقدسية بعينها، مثل عائلة الحسيني، في احتلال وظيفة الإفتاء، ونقلها بين أبناء العائلة بالوراثة.

الإدارة

كما كان متسلم اللواء يعتمد على العاملين في الجهاز الإداري، ومن أبرزهم الكاتب، الذي كان يقوم بتحرير الأوامر والمراسلات، والصرّاف، الذي كان يهتم بالمداخيل والمصاريف، والمحتسب، الذي كان يساهم في حفظ الأمن والأسعار، والاستقرار في القدس، وأسواقها.

الأمن

وكانت تضمن الأمن في لواء القدس، في أوائل القرن التاسع عشر، عدة فرق عسكرية، رابطت في المدينة وقلعتها، من أبرزها “الانكشارية”، وهي فرقة مشاة رابط أفرادها في المدينة.

وكان “آغا” الانكشارية في إسطنبول، هو المسؤول عن تعيين ضباط الفرقة في القدس، وقد عُيّن أحد أفراد عائلة العفيفي المقدسية، وهو “محمد آغا العفيفي”، قائدًا لفرقة الإنكشارية في القدس سنة 1809، وذلك بهدف استمالة أهالي المدينة.

حكم ذاتي

تمتع سكان جبل نابلس، منذ القرن الثامن عشر، بقدر كبير من الحكم الذاتي، تحت مظلة الحكم العثماني، فبينما اكتفى أبناء النخبة المحلية في القدس بتقلد المناصب العلمية والدينية، وتركوا لولاة الشام تعيين المتسلمين من رجالهم ومعاونيهم، شغل أبناء العائلات المحلية في نابلس، بالإضافة إلى منصب متسلم اللواء، معظم الوظائف العسكرية والإدارية، إضافة إلى العلماء في المحكمة الشرعية.

التعليم

عمل العثمانيين على إبقاء الكثير من المؤسسات التعليمية التي خلّفها المماليك، وأهم هذه المؤسسات، المساجد، والكتاتيب، والزوايا، والربط، والخوانق، والمدارس.

والدولة العثمانية في ظل هذا المنطلق، لم تقف ضد رغبة الأهالي والسكان في طريقة تعليم أبنائهم، فالتعليم في تلك الفترة، كان أشبه بنظام التعليم المفتوح، وهذا كله يعود لنظام الوقف، الذي كان يشكل العمود الفقري للمدارس، والمؤسسات التعليمية آنذاك.

وبالمحصلة، فقد بلغ مجموع المدارس الرسمية في فلسطين حتى نهاية العهد العثماني اي عام 1924م، لجميع الطوائف (776) مدرسة منها: 413 مدرسة عربية إسلامية في متصرفية القدس، ولواء عكا ونابلس، و250 مدرسة مسيحية، و113 مدرسة يهودية.


المصدر: “فلسطين تحت الحكم العثماني”، نقله ماهر الشريف