نجاح حفيظ تنطفئ بصمت في دمشق: «فطّوم حيص بيص» لم تعد تجيب

وسام كنعان

اختصرت «فطوم حيص بيص» معالم البلاد في فندق «صح النوم». هزمت كل ما جاء من بعدها ليقول زوراً بأنّ المرأة في الشام كانت عورة، وذروة ما تحلم به أن تقول «حاضر ابن عمي» لأنها لم تخجل من لغة قلبها، بل عشقت الصحافي المسكين الذي لم يكمل مقالته اليتيمة، وامتلأت أنوثة وسحراً وخصوصية شامية طاغية لا يمكن تقليدها. في الوقت ذاته، عرفت كيف تدير الفندق بحزم لا يشوبه تردد، ولا يضيره حسن الضيافة، وهي ترد على الهاتف: «فندك صح النوم يرحّب بكم» أو «فطوم حيص بيص تتكلّم».
طاردها غوّار بمحبته ومقالبه التي خرّبت مراراً حفل زفافها، فاستكانت لقلب صانعها الدرويش والطيّب «ياسينو». تصرخ دوماً بنبرة صوت كأنّها بصمة تاريخية «ياسين ولك ياسين». الأخير يختلف عن قوة شخصيتها في الدراما، لكنه يشبهها تماماً في حياته. فقد هزمه الإهمال والتهميش، وطغى النكران، وانعدام الوفاء على سنواته الأخيرة، قبل أن تغتاله وحوش الظلام (الأخبار26/2/2013).
«فطّوم فطوم فطومة خبيني ببيت المونة. بكرا لما بيجي البرد مالك غيري كانونة». غنى غوار ورفاقه المساجين لها ذات يوم. لكّن فطوم تقدّمت في السن، ولم تجد «كانونة» وفاء واحدة، ولا حتى «جمرة» عرفان عابرة. مضى العشاق، كل في دربه، وماتت وحيدة! كذلك، فعل المنتجون والمخرجون الموظفون تحت إمرة علاقاتهم.

عاشت ردحاً كاملاً من الإهمال لم يعرض عليها تجسيد مشهد واحد، رغم أنها أفضل من جسّد دور الأم سورياً بعفوية مطلقة. لم تستعر دمعاً اصطناعياً، ولا مرّة في حياتها المهنية. كان سهلاً عليها أن تبكي لأنها عايشت ظلم الحياة. وخلال سنوات عمرها الـ76، اختبرت مشاعر الأم وأحاسيسها عشرات المرّات خلف الكاميرا، لكنها لم تنعم بها حقيقة لأنها لم تتمكن من الإنجاب. لم تملك عائلة سوى زوج طيّب وعمّ وعمّة وطوابير من المحبين المخلصين لذاكرتهم التي شّكلت «حيص بيص» جزءاً منها. ماتت نجاح حفيظ (1941 ـــ 2017) مساء السبت الماضي. أغلقت مديرة فندق «صح النوم» الباب على جيل عملاق في تاريخ الفن التلفزيوني السوري. ظلّت حتى قبل وفاتها بأيّام، تلاقي محبة الجمهور الذي حالما يصادفها في مكان عام، حتى يبدأ بترديد أغنية غوّار الشهيرة عنها. رحلت ملفحة بشرف سنوات عطائها، ومحاطة بجحود الوسط الذي انتمت إليه. لذا لن يكون بعيداً على الصناعة التي تجاوزت مداميكها المؤسسة، أن تنهار بدراماتيكية متسارعة. في «مستشفى ابن النفيس» في دمشق، فارقت «فطوم» الحياة إثر نوبة قلبية، وشيّعت ظهر الأحد، وصلّي عليها في «جامع الإيمان» في حي المزرعة الدمشقي، ثم ووريت ثرى مقبرة «زين العابدين» في الصالحية. في هذا الوقت، لا تزال موجة العتاب والعراك الافتراضي مشتعلة على السوشال ميديا، لأنّ سيارتين وسبعة أشخاص فقط (بينهم تولاي هارون، عارف الطويل، مأمون الفرخ، تماضر غانم، والموسيقي هادي بقدونس) شيّعوا الراحلة. هكذا، دخل صحافيو وممثلو المناسبات على الخط، وراحوا يتقاذفون اللوم، كأن ذلك سيقدّم أو يؤخر شيئاً من الخذلان الذي رافق صاحبة أشهر «كركتر» في تاريخ الدراما السورية. فعلياً، لو أضيئت ربع تلك الضجة أثناء سنوات «حيص بيص» الأخيرة، لكانت كفيلة بإعادتها إلى الضوء، وربما أحرجت بعض المنتجين، والمخرجين بفرص تليق بتاريخها الكبير.

ما يجهله العامة أن حفيظ كانت معتدة بنفسها، تملك لساناً لاذعاً لا يهادن، ولا يعرف المجاملة. كذلك، لم تكن تتوقف عن مكاشفة الناس بحقيقتهم، ولو بطريقة صادمة، بخاصة زملاء مهنتها بمن فيهم المؤسسون للمرحلة الذهبية الأولى من تاريخ الدراما السورية. كغالبية أبناء جيلها، دخلت نجاح حفيظ عالم التمثيل من دون سلاح أكاديمي، أو حتى تحصيل دراسي واف. انتسبت إلى نقابة الفنانين سنة 1967 أي في العام ذاته الذي تأسست فيه النقابة، لتكون مفتاحها نحو المهنة. عشرات الأدوار التلفزيونية المؤثرة، وكذلك السينمائية الباهتة ستكون في كفة، بينما سيبقى دورها المكرّس في مسلسل «صح النوم» (1972) في كفة أخرى. اختارها المخرج خلدون المالح للعب دور عمرها، إلى جانب نهاد قلعي، ودريد لحّام، وياسين بقوش، وناجي جبر، وباقي المجموعة اللامعة. خلّدها هذا الدور على مدار نصف قرن، ورغم أنها جمّدت لفترة ثم عادت في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات، لتلعب الكثير من الأدوار على الشاشة الصغيرة، إلا أن أيّاً منها لم يتمكن من محو أثر هذه الاحتفالية التمثيلية العارمة بالإبداع والعفوية المطلقة. لذا، ظلت حتى موتها تعرف باسم هذه الشخصية. لكنها على مستوى فردي، روت للصحافة مرّة عن خصوصية دورها في مسلسل «البقعة السوداء» (خلدون قتلان ورضوان محاميد) لأنها جسدت دور أم لشابين، أحدهما يزف شهيداً ليلة عرسه، والثاني يسافر من أجل تحسين وضعه. ولشدة تأثرها بدورها، فقدت وعيها أثناء حياكة مشهد رحيل ابنها، واستفاقت على بحر من دموع كادر العمل لهول الصدمة الإنسانية التي يخلفها مشهد تمثيلي مماثل. منذ سن مبكّر، انتصرت العفوية داخل الممثلة السورية الراحلة، والرقم الصعب في ذلك الوقت. بقيت هذه العفوية سلاحها الآسر، الذي يبذل كبار الممثلين مجهوداً حتى يتمكّنوا من استحضاره، وتقديم روح أداء معافاة من أي تصنّع. يمر شريط حياة حفيظ، إلى جانب شخصيتها الشهيرة بملامح مضيئة مثل دورها الجذاب إلى جانب عدنان بركات في «شجرة النارنج» (حسن سامي يوسف، وإخراج سليم صبري) ويوم غنّت لزميلها الراحل أخيراً رفيق السبيعي «بالي معاك» في مسلسل «بسمة الحزن» (عن رواية «دمشق يا بسمة الحزن» للأديبة ألفت الإدلبي، سيناريو وحوار رفيق الصبّان، وإخراج لطفي لطفي). على الضفة المقابلة، مرّت بشكل اعتيادي في عدد كبير من الأعمال الكوميدية والتراجيدية منها «هجرة القلوب إلى القلوب» لهيثم حقي، و«نهاية رجل شجاع» لنجدت أنزور، و«يوميات أبو عنتر» لنبيل ع شمس، و«أسياد المال» و«الخط الأحمر» ليوسف رزق.

(الأخبار)

«ولي عليي عليك يا ميمتي»… ولا يُسدل الستار

صهيب عنجريني

على أحدِهم أن يشكر نقابة الفنّانين السوريين، على أحدهم أن يشكر الفنّانين السوريين، على أحدهم أن يفعلَ ذلك. إذ لم يكن لرحيل نجاح حفيظ أن يشبه السوريين اليوم لو أنّه «توّج» بتشييع حافل في زمن باتت واحدةٌ من ثيماته المكرّسة أن يموت السوري البسيط بصمت، ويُكفّن ويُشيّع (إن شُيّع) بصمت، ويُدفن بصمت، ما لم يكن في المظاهر «الكرنفالية» ما يخدم أجندةً أو يمكن تجييره لمصالح تيّار ما.

ولولا غياب تلك المظاهر عن الرحيل الأخير لصاحبتها، لم يكن لشخصيّة «فطوم حيص بيص» الشهيرة أن تحظى أخيراً بتعاطف الشارع وتضامنه معها في وجه الإهمال الرسمي. ولربّما اكتفى معظمنا بنعي عابر تغلب عليه النوستالجيا فحسب. أما وقد وُضعت حفيظ بـ «فضل» سلوك المؤسسة الرسمية في خانة غيرِ أصحاب الحظوة، فقد شكّل رحيلها فرصة جديدة لتسليط الضوء على عورة بلغ القائمون عليها من الجرأة (اقرأ الوقاحة إن شئت) مبلغاً لا يشعرون فيه بحاجة إلى أوراق توت. صحيح أنّ «حيص بيص» حفرت عميقاً في وجدان الوعي الجمعي السوري. لكن المزاج العام دأب على التعاطي مع الشخصية بوصفها مادة للتندّر والتشفّي، في مقابل تعاطف مع شخصية «الشاطر غوّار» ومقالبه المتتالية، من دون أن يحدث المعدن الطيّب الذي صيغت منه «حيص بيص» أي فارق أو يستوقفنا للتفكير في مدى استحقاقها شرب المقلب تلو المقلب، بينما نحن نتفرّج ونضحك ونُعجب بما لحق بها وبحبيبها (حسني البورظان) من حيف.
لكن، ولمرة واحدة غضب الجمهور من المقلب الأخير الذي حاول كلّ الشطّار أن يُشربوا فطّوم إيّاه. وكما اعتاد السوريّون أن يحتفوا بموتهم المستمر عبر ضجيج افتراضي يملأ مواقع التواصل الاجتماعي (من دون أن يقدّم أو يؤخر) كذا نال رحيل نجاح حفيظ حصة وافية من صفحات السوشال ميديا، بما فيها (ويا للمفارقة) صفحات الفنانين الذين اكتفى معظمهم بجملٍ افتراضية تزيح عن كاهله أعباء تشييعٍ واقعي، وتحفظ له «بريستيج» الفنان. ضرورات «البريستيج» نفسها ستحمل إلينا (على الأرجح) مشاهد وأخباراً متتالية عن مجلس عزاء يضج بالنجوم، وأكاليل زهور متأخرة، عن تكريمات وأوسمة وما شابهها تحاول «إخراس» الأصوات الناقمة وإفحامها. غداً، أو بعد غدٍ، ينهمك الشطّار في مواصلة تلميع صورِهم، بينما يرنّ في وجداننا صوت الآخر التراجيدي (أبدعت نجاح حفيظ في أدائه كما أبدعت في الكوميديا) يرنّ صوتُه مخاطباً كل سوري: «ولي عليي عليك يا ميمتي» ولا يُسدل الستار.

جنازة قيمنا الجميلة

خليل صويلح

في عشريناتها

ينطوي مشهد جنازة نجاح حفيظ، كما التقطته عدسة هاتف محمول أمام «مستشفى ابن النفيس» في دمشق على حجم الاحتضار الذي آلت إليه القيم الفنية والمهنيّة. حفنة من زملاء الفنانة الراحلة وسيارتان، ثم ستوب كادر. في التوقيت نفسه، كانت قناة «سوريا دراما» تبث برنامجاً على الهواء عن «عيد الشهداء» بمشاركة دريد لحام. ستعلن مقدمة البرنامج عن خبر رحيل «فطوم حيص بيص»، لكن الخبر سيمرّ من دون تعليق إضافي، أو نبرة أسى، وسينتهي إلى شريط متحرّك في أسفل الشاشة لا أكثر. بمثل هذا الشحوب، أفل نجم هذه الممثلة التي لعبت أكثر الكركترات النسائية حضوراً في ذاكرة الدراما السورية، ذلك أنّ «فطوم» في مسلسل «صح النوم» للمخرج خلدون المالح (1974)، كانت شخصية متفرّدة، ابتكرها نهاد قلعي على غرار شخصية «حسني البورظان»، وشخصيات أخرى، سترافق أجيالاً من المشاهدين بالطزاجة نفسها، من دون أن تفقد الإعادات المتكررة لهذا المسلسل من ألقه وأصالته، لجهة التعبير عن أحوال الحارة الشعبية الدمشقية… الحارة التي ستحاول نسفها بقيمٍ مضادة مسلسلات مثل «باب الحارة» وأشباهه بتصدير طراز فولكلوري مزوّر، كأن «فطوم حيص بيص» ضحية نموذجية لهذا التحوّل.

صاحبة فندق «صح النوم» ذات السطوة والاستقلالية في إدارة فندقها، والعاشقة التي تفشل في اختيار شريكها، ستنتهي بعد سنوات ـ في أعمالٍ أخرى- إلى امرأة منكسرة، وأم محزونة، وهي بذلك ـ من دون مقاصد – تعبر عن احتضار شخصية فطوم لمصلحة نساء «باب الحارة» في إعادة إنتاج التخلّف، واندحار صورة امرأة عقد السبعينيات المتحرّرة، إلى درجة الاختفاء وراء جدران البيوت المغلقة في مطلع الألفية الثالثة كدمية صمّاء، تنشغل بتحضير أطباق الكبّة الشامية في المقام الأول، وإرضاء متطلبات الذكور بصمت. لذلك، لم يكن مستغرباً – كنوع من النبوءة ربما – أن تقبل فطوم الزواج من صبي الأوتيل ياسينو (ياسين بقوش)، بعد فشل زواجها من حسني البورظان. ورغم مشاركاتها في أفلام سينمائية مع الثنائي «دريد ونهاد» وآخرين، إلا أن أدوارها لم تحصد البريق نفسه الذي حققته في «صح النوم». لكنها من الجيل الذي ظهر في «المايوه»، قبل أن ينتهي إلى العباءة السوداء التي تحجب النظر عن الجسد، كمحصلة لتدهور النظرة الاجتماعية حيال قيم الحداثة والتحرّر. في أدوارها التلفزيونية، ستلعب على الدوام شخصية الأم الطيبة وبفائض حنان أمومي ميلودرامي، على الأرجح أتى كتعويض حياتي عن عدم إنجابها في الواقع. ونظراً إلى نمطية هذه الأدوار، لم تحقق تميزاً واضحاً، عدا أدوار قليلة، بينها دورها في «دمشق يا بسمة الحزن» (1992) للمخرج لطفي لطفي، عن رواية بالاسم نفسه لألفة الأدلبي. ابتعدت نجاح حفيظ في سنواتها الأخيرة عن الأضواء، بعدما أهملها أهل الدراما. اكتفت – قبل مرضها – بنزهات يومية في شوارع حي المزرعة الدمشقي بصحبة كلبها وحسب.