الرئيسية / تحقيقات ومقابلات خاصة / زين العابدين فؤاد شاعر الفلاحين ضيف الجنوب متضامناً مع أسرى فلسطين

زين العابدين فؤاد شاعر الفلاحين ضيف الجنوب متضامناً مع أسرى فلسطين

ضمن زيارته إلى لبنان هذا الأسبوع، يحل شاعر الثورة المصري الأستاذ زين العابدين فؤاد (عبد الوهاب) ضيفاً على المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في النبطية، ونادي التحرر في كفررمان، وفرع النجدة الشعبية اللبنانية في النبطية، ليلقي مختارات من قصائده الرائعة، لا سيما تلك التي كتب معظمها في سجون الإعتقال السياسي في مصر. وسيتحدث كذلك عن مصر ما بعد الثورة…

الضيف الكبير سيلتقي جمهور الجنوب «تضامناً مع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون العدو الصهيوني وجميع المعتقلين المقاومين»، عند الساعة السادسة من مساء يوم السبت في 13 أيار 2017، في قاعة الشهيد حكمت الأمين في نادي التحرر في كفررمان. وسيرحب بالضيف العزيز الشاعر الأستاذ مصطفى سبيتي.

زين العابدين فؤاد

شاعر الفلاحين يسأل “مين يقدر يحبس مصر؟”

كامل جابر

“يوم 5 سبتمبر هو يوم المسرح المصري، يوم شهداء المسرح المصري، يوم شهداء حرية التعبير والابداع. نقف لكم احتراما في “الفن ميدان”، وفي مسرح “الهناجر”، ونقف دفاعا عن دستور لكل المصريين، دستور يحمي الحق في التفكير والاعتقاد والابداع والتعبير وكل حقوق المصريين” هذه العبارات دونها شاعر الفلاحين زين العابدين فؤاد على صفحته على “الفايسبوك” بعد يوم على احتفائه بذكرى مولد صديقه الشاعر النوبي زكي مراد “محامي الحريات، الذي دافع عن حقنا في التعبير والابداع والتنظيم، محامي الوطن والشعب الذي اغتيل على طريق الاسكندرية عام 1979”. وقد رثاه زين العابدين بقصيدة “يرجع البلشون يطير” التي أعاد نشرها في هذه المناسبة.

كأن هذا الرجل منذور للنضال، هكذا ظلت سيرة حياته منذ يوم ولادته الأول، في 23 نيسان (أبريل) عام 1942 حيث “ولدتُ بعد وفاة أمي بيوم واحد، إذ سجل تاريخ وفاتها في 22 أبريل، وسجلت ولادتي في اليوم التالي”. هو زين العابدين فؤاد عبد الوهاب المولود في حي “شبرا” في القاهرة. في هذا الحي عاش أكثر حياته، لكنه تنقل بين “أنبابة” و”الجيزة” بعد وفاة والده وكان في سن العاشرة، ثم عاد إلى شبرا ليتعلم في مدرسة “الإبراهيمية” في “غاردن سيتي” ومنها خرج إلى جامعة القاهرة، كلية الهندسة، قبل أن ينتقل إلى كلية الآداب، قسم الفلسفة (1968) ليتخرج منها عام 1973 ويلتحق بالتجنيد الاجباري في الجيش المصري.

شغف منذ طفولته بالمطالعة والاستماع إلى الغناء الشعبي. في سن العاشرة صار مبهوراً بأمير الشعراء أحمد شوقي، حينها كتب أولى قصائده في مجلة “الرسالة” في مصر (1952) “بدأتُ بقافية صعبة، إذ كتبتُ: أو تسألينَ ما بيَ، أو تسألينَ عن حاليَ، أو تسألين ما أريد؟ وأنت أحلى أمنية؟ هذه القصيدة نشرت في العدد ذاته الذي نشرت فيه قصيدة لشاعر جديد في حينه، اسمه صلاح عبد الصبور”. وبالمراسلة صار ينشر قصائده بالفصحى في “الأديب” و”الآداب” في لبنان من دون أن يعرف أحد من حقيقة هذا الشاعر الفتى “في سن العشرين التقيت بالناقد محمد فوزي الذي نشر أولى قصائدي، وذكره اسمي بناشر تلك القصيدة، وعندما علم أنني أنا ذاته، رد: لو كنت أعلم حينها بعمرك لكنت أرسلت إليك لوحاً من الشوكولا”. في هذا الوقت كان صاحب “الفلاحين” وبعد قراءات للوركا وناظم حكمت ولويس عوض قد تحول إلى القصيدة العامية “خصوصاً بعد ظهور نماذج رائعة كفؤاد حداد وصلاح جاهين، إلى أسباب سياسية جعلتني أتجه للعامية ونشرت قصائدي الأولى بين 1961 و1962 ومنها قصيدة حب”.

كان يفترض أن ينشر زين العابدين فؤاد ديوانه الأول “وش مصر” عام 1964، قدمه للرقابة في الوقت الذي نشر فيه سيد حجاب “صياد وغنية” والأبنودي “الأرض والميّة”، لكن الديوان رفض بالكامل وظل صاحبه يتقدم به عاماً تلو عام، بالرغم من أن قصائد الديوان تنشر بالصحف والمجلات وتذاع في الراديو والندوات، حتى سمح له بالنشر عام 1971 “وقد بعنا الديوان قبل طباعته ببونات بلغ سعر البون الواحد 15 قرشاً وفقدت الطبعة الأولى بالكامل” في هذا الوقت كان صاحب الديوان بالسجن لمشاركته في قيادة الحركة الطالبية في 1968 ثم في 1972.

في 1973 وبعد اندلاع حرب تشرين (أكتوبر) بين مصر وسوريا وإسرائيل نشر المجنّد زين العابدين قصيدة “الحرب لسه بأول السكّه” في 8 أكتوبر (التي غناها الشيخ إمام وعدلي فخري) في صحيفة “الجمهورية”، ما جعل الضابط المسؤول يرتب له أمسية شعرية إلى جانب صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي في “الاتحاد الاشتراكي”، ويرسله من الجبهة إلى القاهرة بسيارة خاصة. كانت تحضر الأمسية جيهان السادات. وما أن وصل زين العابدين إلى مقطع “والحرب لسة في أول السكة، إتفجري يا مصر، إتفجري بالحرب ينفلق النهار، إتفجري بالحرب ضد الجوع والقهر ضد التتار” حتى هبت السيدة الأولى تصرخ “مصر ما فيهاش جوع” وخرجت من القاعة غاضبة. بعدها صدر عن أنور السادات قرار بعدم نشر أي من قصائد زين العابدين فؤاد “لن ينشر حرفاً طالما أنا على قيد الحياة. أنور السادات”. من أجل ذلك لم يعد يصدر للشاعر أي ديوان حتى العام 1978 حينما صدر له ديوان “الحلم في السجن” بالعامية المصرية، عن دار “ابن خلدون” في بيروت، وهو مجموعة من قصائد مهربة من السجن، هذا السجن الذي قرأ فيه ديوانه الثاني من خلال نسخة هربت إليه. في العام‏1977‏ تم استدعاء زين للتحقيق في اتهامه بتحريض المتظاهرين في‏18‏ و‏19‏ يناير,‏ وكانت التهمة بلسان وكيل النيابة آنذاك عبدالمجيد محمود‏,‏ “الدأب علي كتابة قصائد تحرض ضد النظام‏”. كان يساق كل شهر إلى المحكمة، يصدر قرار بالافراج عنه، فيواجه بقرار اعتراض من رئيس الجمهورية.

يوم ذهب أنور السادات إلى توقيع معاهدة “كامب ديفيد” في عام 1979، جرت اعتقالات تعسفية لعدد كبير من مناهضي النظام “في 20 مارس (آذار) ذهب السادات ليوقع اتفاقية كمب ديفيد، سافرت زوجتي الأديبة الفلسطينية باسمة مرتضى حلاوة إلى أميركا لإجراء عملية في القلب، وكنت أنا ممنوعاً من السفر. في صبيحة اليوم عينه، اعتقلت من بيتي تحت عنوان الاعتقال التحفظي، وكنت لا أنام الليل والنهار من أجل تأمين مصاريف المستشفى مدة ستة أشهر. أعتقلت أنا وصديقي الراحل محمود حنفي، الذي أتى لتوديع زوجتي وكان عندي في البيت، نقلنا إلى سجن القلعة وهو أكبر مكان للتعذيب، فأضربت عن الطعام مطالباً بنقلي، وفي 30 مارس، جرى نقلنا إلى سجن طرّة، وقبل أن أوقف الاضراب، أتى صديقي المحامي الراحل عبدالله الزغبي لزيارتي، وكان يريد توقعي على معاملة نقل جثة زوجتي التي توفيت قبل إجراء العملية”.

في آب 1981 صدر قرار يسمح لصاحب “مين يقدر يحبس مصر” بالسفر، فغادر فوراً إلى الأردن حيث نظمت له أمسية شعرية، فدمشق ومنها إلى لبنان الذي وصل إليه في أول سسبتمبر (أيلول) حيث استقبل بحفاوة وأمسيات. بعد خمسة أيام يرن جرس الهاتف عند الخامسة فجراً، “وكان ياسر عرفات على الخط، طلب رؤيتي فوراً فذهبت، هناك كان محمود درويش ومعين بسيسو وحشد من الكتاب الفسطينيين المقيمين في بيروت. طلب إلي أبو عمار البقاء في بيروت، وعندما سألت، سلمني نسخة من صحيفة الأهرام، وفيها خبر توقيف محمد حسنين هيكل وفؤاد سراج الدين والبابا شنوده ونحو 1500 معتقل، في الصفحة الأولى من الصحيفة قرأت اسمي مع اسماء سبعة مناهضين مصريين كانوا خارج مصر، من ضمن المعتقلين، فقررت البقاء في بيروت”.

في الرابع من حزيران عام 1982، نظم زين العابدين فؤاد مع سعدي يوسف وممدوح عدوان أمسة وداعية في بيروت قبل أن يغادر إلى مصر. في هذا اليوم بدأ الهجوم الإسرائيلي الجوي على المدينة الرياضية وفي اليوم التالي بدأ العدوان. يومها أطلق جملته الشهيرة “مين مجنون يلاقي حرب ويمشي؟”. فبقي في بيروت وصار ينشر قصائده في “السفير” و”النداء” والحياة” وغيرها، ونزل إلى الشارع ومواقع المقاتلين مع عدلي فخري “صرنا كل يوم نؤلف أغنية جديدة للمقاومة، نذيعها في أكثر من خمسين مكاناً. كانت تجربة غنية وفريدة، أعدت عنها محطة بي بي سي تقريراً، عرفت من خلاله عائلتي أنني لم أزل في بيروت. بعدها أصدر أصدقائي في باريس أجمل دواويني “أغنيات من بيروت” وهو من الحجم الصغير مكتوب بخط اليد، وزعت منه 12 ألف نسخة خلال أسبوعين وأنا رأيت نسخة منه بعد خمسة أشهر”.

في عام 1960 تعرف صاحب “يا شمس يللي هلة” على الشيخ إمام عيسى (الذي لحن وغنى هذه القصيدة) أيام كان يؤدي الأخير أغنيات سيد درويش والشيخ زكريا. “لم أكتب له أغنية مخصصة، كان يغني لفؤاد قاعود قبل أن يتعرف إلى أحمد فؤاد نجم، لحن لي نحو عشرين قصيدة اختارها هو بنفسه. القصيدة الوحيدة التي كتبتها من أجل أن يغنيها الشيخ إمام كانت “من يقدر يحبس مصر” المعروفة بأغنية تجمعوا العشاق”. أما أغنية “الفلاحين” فقد لحنها إمام وعدلي فخري كل على حدة “وأنا بالصدفة سمعت اللحنين في يوم واحد”.

يقول شاعرنا عن نفسه “أنا شخص مجنون بكل تأكيد، لأنني لم أفقد لحظة إيماني بمصر. أنا موجود في الشارع، في ميدان التحرير في كل اللحظات والتظاهرات. في الثورة رأيت شيئين: الناس أصحاب الحلم بالتغيير، والناس التي تحقق الحلم. أنا بكيت يوم سمعت الناس تهتف بأغنية “تجمعوا العشاق” القصيدة التي صارت وكأنها نشيد الثورة”.