الرئيسية / تحقيقات ومقابلات خاصة / تحقيقات / في عيدها الثلاثين: «صوت الشعب» والشباب والثقافة

في عيدها الثلاثين: «صوت الشعب» والشباب والثقافة

 

خصص زياد سحاب الحلقة الأولى من «أغنيات منسية» للأغنيات التي قدمتها أم كلثوم للملك فاروق

زينب حاوي (الأخبار) الخميس 04/05/2017

خصص زياد سحاب الحلقة الأولى من «أغنيات منسية» للأغنيات التي قدمتها أم كلثوم للملك فاروق

في شباط (فبراير) الماضي، أتمت إذاعة «صوت الشعب» عامها الثلاثين. ثلاثون عاماً مضت، والإذاعة المتواضعة في الإمكانيات، والمفرودة على مساحة الوطن، ما زالت صامدة، تحاول مواكبة العصر مع الوقوف على الماضي من باب الإفادة منه، وتعزيز أوجهه الثقافية والسياسية لفتح أبواب جديدة أمام الجيل الحالي.
في أيلول (سبتمبر) الماضي، غادرنا المسرحي ومدير البرامج السابق في «صوت الشعب» رضوان حمزة، بعدما أنهكه المرض، من دون أن يستسلم لهذا الواقع القاسي. بقي الرجل الهزيل يصارع حتى الرمق الأخير، يفكر في المستقبل، ويضع تصوّراً للبرمجة الجديدة، وللاحتفال بعيدها الثلاثين. لكن الموت حال دون تحقيق أيٍّ من هذا المخطط. ومع تسلمّ المسرحي والكاتب عبيدو باشا، دفّة برمجة الإذاعة في كانون الثاني (يناير) الماضي، خرجت الدفعة الأولى من البرمجة الجديدة في منتصف شهر نيسان (ابريل) الماضي.

وقد حوت إنتاج تسعة برامج منّوعة، بين الثقافة والاقتصاد والفن والسياسة، مع الإبقاء على البرامج الثابتة في الإذاعة كـ«حوار فاتن» (إعداد وتقديم فاتن حموي)، و«الضوء الأخضر» (إعداد وتقديم فراس خليفة)، و«غير حكومي» (تقديم منذر أبو عرم ورامي ضاهر) وغيرهم.

في الإذاعة التي تشبه خلية نحل لا تهدأ، يخرج عبيدو باشا من الاستديو، ليتحدث عن البرمجة، ويصفها بأنها أنتجت لتكون «صلة وصل» بين بدايات الإذاعة، والعصر الحالي. البدايات التي ارتبطت بالتاريخ وبالجمهور «الوفي» على حد وصف باشا، ثابرت على دورها الثقافي والطليعي، وانفتحت على الأجيال الشابة، وحتى استعانت بأشخاص من خارجها، ومن مشارب ثقافية وسياسية مختلفة، لتفسح لهم حيّزاً من الأثير لترجمة أفكارهم، وأيضاً، نقل هواجس وهموم جيلهم. على سبيل المثال، يحضر مقدم البرامج في «تلفزيون لبنان» جوّ لحود في برنامج «أبعد من أبعد» (يبثّ يوم الجمعة) ليتحدث عن علاقة الشباب بوسائل التواصل الاجتماعي، وما أفرزته من ظواهر مؤثرة على حيواتهم. عن هذا الاهتمام بالجيل الشاب، يؤكد الناقد المسرحي اللبناني، أنّ الإذاعة أولت اهتماماً بهذه الشريحة، وأفردت لكلّ تجربة مساحة لتعبّر عن «حساسيتها» الخاصة، وترسم بالتالي هذه الباقة المنّوعة داخلها.
برنامج حول الأغنية السياسية خلال الحرب الأهلية

ومن الشباب إلى مرحلة سياسية مختلفة مع برنامج «مع الوقت مننسى» (كل أربعاء بعد موجز الثالثة والنصف). هنا، يتحاور عبيدو باشا مع الفنان خالد الهبر أسبوعياً، حول الأغنية السياسية خلال الحرب الأهلية. يتحاور الرجلان ليتذكرا أحداثاً مفصلية من تاريخ لبنان، وفق ما يوضح باشا. الهدف تقديم وجهة نظر مختلفة تقرّ بأن الحرب ليست فقط مقابر ومستودعات أسلحة، بل لها أوجه ثقافية «شكّلت جزءاً من حياتنا». ينطلق باشا من هذا الحيّز الهام من الذاكرة، التي تتعرض لعملية محو برأيه، ليعيدها على بساط البحث ويحاول تجسير علاقة الماضي بالحاضر، لا سيما أنّ الحرب شكلت ـــ تحديداً بين عامي 1975 و1983 تاريخ الاجتياح الإسرائيلي لبيروت ـــ مرحلة ثقافية هامة، قبل أن ينكسر العمود الفقري للبنانيين، ويتفرقوا ضمن خنادق طائفية ومناطقية متناحرة، وتهتزّ أيضاً «التجارب الطليعية الثقافية»، من مسرحية وتشكيلية وسينمائية أيضاً. يغوص «مع الوقت مننسى»، في موقع الفرد في الأغنية السياسية، حيث اشترط وجود الأخيرة إغفال الفردية، وأيضاً في مضامينها التي قد تهم أكثر من الصوت الجميل.
«عطيني خمس دقائق بس» (الأربعاء بعد موجز الـ 4:30)، المقتبسة عن أغنية فيروز «أنا فزعانة»، سيعيد فيه الزميل بشير صفير، الحديث عن أشهر الأغنيات الكلاسيكية العالمية وروّادها. مساحة موسيقية فاخرة تعود إلى الإذاعة بعد انقطاع بسيط. ومن الموسيقى إلى الاقتصاد مع برنامج «حصاد الاقتصاد» الذي تقدمة ألين حلاق، مروراً بالشق التربوي مع «مطويات تربوية»، الذي يضيء على النماذج المتفوّقة من التلاميذ/ات، وصولاً إلى «تشكيل» الذي يختصر أسبوعياً في عشر دقائق أبرز المدارس الفنية من الرومانسية إلى الكلاسيكية فالتعبيرية. ولعل المساحة اللافتة في هذه البرمجة تقليب الفنان زياد سحاب صفحات الماضي للإضاءة عليها من زاوية فنية وسياسية كذلك. برنامج «أغنيات منسية» (الجمعة) يضيء على حقبات غابرة لينهل منها حادثة فنية. على سبيل المثال، تناول في الحلقة الأولى، مجموعة الأغاني التي خصصتها الفنانة الراحلة أم كلثوم للملك فاروق وأغفلت بعد ثورة يوليو 1952. يعيد سحاب سرد حقبة «الفاروقيات»، ليتحدث عنها وعن أبعادها الفنية والسياسة أيضاً. ومع هذه الدفعة الجديدة من البرمجة، ينتظر في الأسابيع القادمة خروج مجموعة برامج جديدة من ضمنها «صوت فلسطين» الذي تعدّه شيرين موسى حبش. يخصص البرنامج مساحة لفلسطنيي الداخل، وحكايات مدنها التاريخية. يضع مدير البرامج في الإذاعة كل هذه البرمجة في متناول النقد والاختبار، ينفتح على الجميع للتعديل و«تدوير الزوايا»، وإعادة النظر، مع التأكيد على «هوامش الحرية» لكل صاحب برنامج ضمن انفتاح الإذاعة على الآخر المختلف، تحت سقف سياستها طبعاً وخطها السياسي الملتزم. داخل الإذاعة، أطلق على «استديو 2» اسم «رضوان حمزة» تكريماً لرجل أمضى داخلها أكثر من نصف عمره، وينتظر في المدى المنظور أن تخطّ الفنانة تانيا صالح رسمة على جدارها، وفاء لما قدمته هذه الإذاعة لها، ودعماً لها في هذا الزمن الصعب الذي باتت فيه كل المساحات متخندقة ومسيّسة.