عهد… أيقونة الثورة الشعبيّة

عهد التميمي: عينٌ فلسطينية تقاوم المخرز الإسرائيلي!

بيار أبي صعب

تلك الصبية الشقراء التي باتت اليوم بطلة وأيقونة، لو خُيّرت، لفضّلت على الأرجح أن تبقى الفتاة العادية التي ينبغي أن تكونها في السادسة عشرة، «مراهقة بريئة منشغلة بالأمور التي تنشغل بها البنات في جيلها»، كما كتبت عن عهد التميمي، بعد اعتقالها، إحدى صديقات العائلة. الآن فات الأوان، لن تعود عهد تلك الطفلة الخجول، الرقيقة، التي على الكبار مداراتها، ومراعاة مشاعرها.

لقد كبرت رغماً عنها، نزلت إلى المعمعة، وعاشت معموديّة النار. هذا هو قدرها، ويشبه قدر شعبها الذي كان يفضّل بدوره أن يكون شعباً عاديّاً، يعيش هانئاً مطمئناً في بلده ككل شعوب الأرض. الوجه الأنثوي المراهق، البريء، الذي يبتسم بعفويّة وثقة وتصميم وتعال ولامبالاة، فيما العسكر المدجج بالسلاح يقتاد صاحبته الصغيرة بالأصفاد لملاقاة التاريخ، هذا الوجه بات عنوان المرحلة. وصاحبته، تكتب بجسدها ومشاعرها وهشاشتها، سرديّة جديدة للمقاومة، تتجاوز الضفّة، تتجاوز فلسطين، إلى ديار العرب، إلى العالم أجمع. نعم، عهد التميمي بطلة العام
الفتاة التي تمْثُل الآن، في دولة الاحتلال، أمام محكمة عسكريّة، نسبة الافلات من بطشها شبه معدومة، كبرت على المذلّة في النبي صالح، في الضفّة الغربيّة المحتلّة. رأت جنود الاحتلال يقتحمون قريتها، حيّها، بيتها. يصادرون بلدها، وطفولتها، ومستقبلها. صار الاقتصاص هاجسها، ومشروعها. فهمت مع الوقت أن العدالة الوحيدة الممكنة هي تلك التي تحصّلها بيدها. هكذا اخترعت لعبة باتت من اختصاصها. لعبة يُفترض أنّها للكبار، تختلف عن ألعاب البنات في عمرها: أن تصفع كل جندي إسرائيلي تطاله يدها. طفلة وحيدة في مواجهة إحتلال غاشم. إنّها اللحظة التراجيديّة الفلسطينيّة بامتياز. تلك الصفعة التي وثّقتها الكاميرات الهاوية، ودارت حول العالم لترجع إلينا، بشيء من الروح، لا يخفى على أحد أنّها، برمزيّتها، أكثر إيلاماً من طعنة خنجر، من صدمة سيّارة، من طلقة مسدّس، من صاروخ كاتيوشا، من تفجير مفاعل ديمونا. تلك الصفعة تعيد الأشياء إلى نصابها: إذا كان الاحتلال الإسرائيلي هو المسخ الذي نعرف، فذلك لأننا تركناه يصبح كذلك. وأن قياداتنا تخلّت عنّا، وباعت القضيّة بـ «ثلاثين من الفضّة». يد أنثويّة صغيرة، ليّنة، يظنّها العالم رقيقة وضعيفة، تكفي كي تعيد الأمور إلى نصابها. تكفي لفضح الكذبة، وتسخيف الأسطورة، وتحطيم جدار الخوف. يد أنثويّة صغيرة تبعث الايمان بتحرير فلسطين. لقد كسرت عهد التميمي هيبة الاحتلال، اعادته الى حقيقته: كذبة مدججة بالحديد والنار والتكنولوجيا، وحماية الاستعمار الغربي، كذبة تقتات من خوفنا وعجزنا وتقاعسنا، ولا يتطلّب فضحها سوى شجاعة جان دارك الفلسطينيّة.
كفّ عهد ترسم اليوم أمامنا خريطة كاملة لفلسطين. تشهد على ولادة جيل جديد، يقطع مع الخنوع والاحباط والضياع، بعد رحيل القادة، وانهيار الرموز الجامعة، والمشاريع الوطنيّة، وتقهقر الفصائل، وركود القوى الثوريّة التي أانهكتها امتحانات التاريخ، وعطّلتها الردّة، وكاد يتجاوزها الزمن. إنّه أوسع من جيل، إذ يمتدّ من عهد التميمي إلى الشهيد باسل الأعرج، ميزته أنّه يجسّد القوى الحيّة للمجتمع الفلسطيني. عفويّ، غير منظّم، غير آت من أطر سياسيّة. ومن هنا وعيه الطليق، وقدرته على الفضح والتجاوز والتدخّل المباشر بالأدوات المتاحة، وبأشكال مختلفة. في مجتمع رام الله الغارق في وهم «الارتقاء الاجتماعي» وفخ «الرخاء الاستهلاكي»، والخاضع لعمليّة «كي وعي» ممنهجة، برعاية «المنظمات غير الحكوميّة»، جيل عهد التميمي هو جيل الصحوة. إنّه يجسّد رد الفعل الصحّي على حالة الاستسلام والتواطؤ التي أفرزتها القيادة الرسميّة منذ أوسلو، بحيث لم تعد «السلطة» سوى آلة تدجين وقمع للشارع الفلسطيني، تعمل بأمر من سلطة الاحتلال، وفي خدمتها، ومن أجل حمايتها. رأينا قبل أسابيع كيف أراد مهرجان السينما في رام الله أن يحتفي بزياد دويري، وكيف حزنت ادارته (باسم الحرية!) عندما حالت حركة الاحتجاج دون ذلك. قرأنا قبل أيّام البيان النغل الذي صدر عمّا يسمّى « المثقفين الفلسطينيين »، من مدجّني السلطة وموظفيها المستعدين للتنازل عن التاريخ، بعدما تنازلوا عن الجغرافيا، مقابل حفنة واهية من الامتيازات، ومقابل براءة ذمّة لقيادتهم من «المجتمع الدولي»: هكذا لم يبقَ من القدس التي يدافع عنها هؤلاء، سوى تلك «المحتلّة في العام 1967»… وقريباً سيقبل هؤلاء، إذ قيّد لهم، بـ… أبو ديس عاصمة لـ «وطنهم» الكرتون!
لكن، لا تقلقوا، فعهد التميمي بالمرصاد. صوّروها ظافرة في مواجهة غال غادوت، الكذبة الهوليوودية. لكن المواجهة التي تختصر العام ببلاغة، ليست فقط الفلسطينية الخارقة في مواجهة الصهيونيّة الخرقاء! ولا بطلة النبي صالح في مواجهة قزم «السلطة» في رام الله. كلا! لقد اقفل العام على مواجهة أسطوريّة، ستخلّدها الذاكرة الجماعيّة، بين الفتاة الفلسطينية التي تصفع إسرائيل بيدها العارية، والمسخ الوهابي الذي يسفح ثروات أهل الجزيرة، بمئات المليارات، عند أقدام الأميركان، ويبيعهم فلسطين كي يضمن عرشه الواهي، على خلفيّة دسائس البلاط المضحكة ــــ المبكية التي شاهدناها. «مملكتي من أجل حصان» صرخ «ريتشارد الثالث» في مسرحيّة شكسبير الشهيرة، «فلسطين والعروبة في مقابل عرشي» ينعق ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. ومستبدو النظام العربي يردّدون من خلفه كجوقة من الماعز. وحدها عهد التميمي لا تأبه بتآمر الأعاريب، وهي تقفز بين التظاهرات والحواجز لتتحدّى جلاّدها. إذا كان من مشهد يختصر العام المنصرم، ويحدد ملامح المرحلة المقبلة، فهو تلك المواجهة المجازيّة بين طفلة من رام الله تجسّد الغضب الشعبي العربي، ومسخ وهّابي يمثّل انحطاط العرب وخروجهم البائس من لعبة الأمم. كلّنا إيمان بأن جان دارك الفلسطينيّة ستنتصر وحيدة على «الدب الداشر»!

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | PierreABISAAB@

عربيات
العدد ٣٣٦٠ السبت ٣٠ كانون الأول ٢٠١٧

شخصية العام

رسم كارلوس لاتوف
عربيات
العدد ٣٣٦٠ السبت ٣٠ كانون الأول ٢٠١٧

عهد التميمي: عينٌ فلسطينية تقاوم المخرز الإسرائيلي!

(أ ف ب)
بيروت حمود

|«أسامينا شو تعبوا أهالينا… تلاقوها
وشو افتكروا فينا
الأسامي كلام… شو خصّ الكلام
عينينا هنِ أسامينا».
(جوزيف حرب)

لم يكن البحث عن اسمٍ للابنة الوحيدة في عائلة باسم التميمي مضنياً على الوالدين. ففي وقت تقصف فيه طائرات العدو الإسرائيلي قرى ومدن الضفة الغربية المحتلة، ويستشهد أقرباء لها فينضمون إلى شهداء الانتفاضة، ثم يُبعد والدها عن قريته ويؤسر كآلاف من أبناء شعبه، تبصر رضيعة، مورّدة الخدين، النور في قرية النبي صالح.

لم يكن التعب إذاً نتيجة بحث عن اسم ملائم، وإنما كان نتيجة الوجع والقهر الذي يقاسيه أبناء هذا الشعب. فباتت هي «العهد» الذي قطعه والداها على نفسيهما بألا ينسيا مرارة ما أذاقهما الاحتلال يوماً، و«الوصية» التي ستحملها لبقية عمرها، كما أخيها البكر، وعد.
هكذا فتحت عهد عينيها في الواحد والثلاثين من تشرين الثاني عام 2001 على الدنيا، ملفوفة بقماط يغطي حتى وجهها، فالبرد هناك ينخر في العظام عميقاً. باكراً جدّاً، انطبعت مشاهد جنود العدو وآلياتهم العسكرية في مخيلة الطفلة. على الحواجز، تنقلت الرضيعة محمولة على صدر والدتها، وهناك رأت المعذَّبين يرفعون ستراتهم كاشفين عن بطون عارية في مقابل فوهات البنادق المصوّبة نحوهم، وهناك سمعت من يأمر والدتها بالتعرّي ليتأكد «الآمر الناهي» أنها «نظيفة من الإرهاب»، وهناك أيضاً رأت أطفالاً مكبّلين بالسلاسل، يقودهم عسكر إلى أقبية التحقيق المظلمة.
هكذا عجّت ذاكرتها بالصور المؤلمة، قبل أن يشتد عودها وتصبح التظاهرات والمسيرات الأسبوعية والاشتباكات مع جنود الاحتلال جزءاً لا يتجزأ من يومياتها.
ثم يأتي عام 2012، لحظة فاصلة في وعي الطفلة ابنة الـ11 عاماً: طائرات العدو تقصف مدينة غزة، فتتصاعد أعداد الشهداء والجرحى، أمّا المباني التي انهارت تباعاً فتصبح كومة من الفتات الرمادي. في الجهة المقابلة، تخرج عهد، مع مجموعة من أبناء بلدتها للتظاهر ضد جرائم الاحتلال، هناك يتهاوى جسد وسط بركة من الدماء، فيما تصدح الحناجر الغاضبة: «الخال استشهد»!
تعرّفت عهد على أعلى مراحل الفقد، فالخال لن يعود موجوداً في الأمسيات والسهرات، ولن يشارك في التظاهرات الأسبوعية في قريتهم، ولن يحضر لها الهدايا في عيدها بعد ذلك اليوم، ولن يلعب معها كرة القدم – لعبتها المفضلة.
يومها أيقنت كأطفال فلسطينيين كُثر أن معركتها مع هذا الاحتلال لن تنتهي إلا بزوال الأخير، ما دفعها إلى التخطيط لمستقبلٍ قد تفيد فيه ولو بجزء بسيط. «سأصبح محامية، هكذا يمكن أن أدافع عن أبناء شعبي من الأسرى المعتقلين في سجون الاحتلال». الطفلة التي قالت في مقابلة تلفزيونية إن «حلمها هو أن تلعب كرة القدم مع أبطال نادي برشلونة الإسباني»، لن تحقّق حلمها على الأرجح، ولن تمارس هوايتها المفضلة ما دام هذا الاحتلال موجوداً، وهي تدرك ذلك وأعلنته في أكثر من مناسبة، إذ إن قتاله والاشتباك معه وفضح ممارساته بحق الأطفال في مثل سنّها أهمّ بكثير من «الأنا». قناعة تذّكر بما قاله الأسير عبدالله البرغوثي صاحب أطول حكم في التاريخ، حين سُئِل عن ابنته قال إنها «تحب أن ترقص الباليه، ولكن ما دام هذا الاحتلال موجوداً فلن نجد وقتاً للرقص».
ولعهد حلم آخر هو أن تجلس أمام البحر الذي يبعد عن قريتها مسير نصف ساعة بالسيارة! لكن حتى هذا الحلم ممنوع عليها. فالوصول إلى هناك يحتاج إلى تصريح يخلو من المنع الأمني، وهذا محال بالنسبة إلى الطفلة التي لا توفر يوماً لتضرب بقبضتها جنود «النخبة». وللمفارقة، حين دعيت عهد مع أهلها لزيارة أصدقاء لهم في إسبانيا رأت البحر الذي يبعد حوالى تسع ساعات من السفر عبر طائرة في الجو! وفي العاصمة بيروت جلست لساعات طويلة أمام البحر نفسه، محدقة بصمت.
هي إذاً ترعرت في كنف بلدة لا يتجاوز عدد سكانها الـ 600 نسمة ارتقى منهم 22 شهيداً، فيما حكمت سلطات الاحتلال على بعض الأسرى من أبنائها بالمؤبد. في قرية النبي صالح لكل بيت حكايته مع الاحتلال، إما السجن أو الاعتقال أو الشهادة.
وفي عام 2009 بدأت المظاهرات في بلدتها أسبوعياً ضد جدار الفصل العنصري، وضد سلب الأرض لبناء مستوطنة «حلاميش»، وتميزت التحرّكات حينها بكونها ذات طابع سلمي، يستقي تعاليمه من فلسفة «الساتيا غراها» (قوة الحق أو الإصرار عليه). لاحقاً انضم إليهم نشطاء أجانب وإسرائيليون ممن تخلى بعضهم عن الخدمة في الجيش الإسرائيلي، أو آخرون ممن يعتنقون أيديولوجيات «يسارية»، ويرون بالاستيطان في الضفة شكلاً من أشكال الاحتلال، وحتى أن بعض هؤلاء أصيب برصاص الجيش الذي كان يقاتل في صفّه.
ابنه الـ16 عاماً، معتقلة حالياً في سجون الاحتلال. والسبب ليس أن في حوزتها قنبلة نووية، ولا حتى صاروخاً تقليدياً، هي حتى لا تملك بندقية «كارلو غوستاف» محلّي الصنع، وقد لا يوجد عندها مقلاع حتى! ويمكن لو امتلكت كل هذه الوسائل القتالية العادلة لما عرف العالم باسمها. ولكن، كل ما في الأمر أنها طردت جندياً وضابطاً اقتحما فناء منزلها الخاص لاستخدامه كموقع لإطلاق النار على شبّان القرية المحاصرين في تلة قريبة! طردتهم بجسد أعزل مقابل عسكر مدججين بالسلاح!
وبعدما خاضت الطفلة الشهيرة عشرات التجارب في انتزاع أقرباء لها من فكي الاحتلال، مجربة الركل وضرب القبضات وحتى العض بالأسنان، وبعدما ذاع صيتها في العالمين العربي والغربي، جاء دورها في الاعتقال. إذ اقتحمت أكثر من عشرين دورية إسرائيلية منزلها قبل أسبوعين، في ساعةٍ متأخرة من الليل، لاقتياد الطفلة التي عُرفت بـ«أيقونة الشجاعة الفلسطينية»، إلى مركز التحقيق، وهي مكبلة بالسلاسل ومعصوبة العينين.
قبل يومين، ظهرت عهد داخل قاعة المحكمة التي مددت اعتقالها ووالدتها ناريمان، أسبوعاً إضافياً، أخبرتنا أنها «بخير والحمدلله»، فيما هي لا تزال طفلة في تعريف المواثيق والمعاهدات الدولية وقاصراً في تعريف القضاء الإسرائيلي. مثلها مثل أطفال كثر، سبقوها إلى أقبية الجحيم، هناك حيث لا رحمة تنزل على طفل ولا امرأة ولا مسنٍّ أو شاب. هناك حيث ينتزع الأطفال بأظافرهم، وبأجسادهم النحيلة الصغيرة الشرف الذي يرفع العالم رأسه فلا يطال النظر إلى أخمص قدميه!

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | BeirutHamoud@

عربيات
العدد ٣٣٦٠ السبت ٣٠ كانون الأول ٢٠١٧

المقابلة | باسم التميمي

● بحثت دوماً عن أيقونات المقاومة في التاريخ
● لو لم تحتلنا إسرائيل لأصبحت عهد لاعبة كرة قدم

(أ ف ب)

قبل أسبوعين اعتقل جيش الاحتلال الإسرائيلي، عهد التميمي (16 عاماً). ليست الأولى بين المعتقلين الأطفال، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة. وربما ما نالته من تعاطف مع قضيتها لم ينله أحد من أطفال سبقوها إلى غياهب السجون. علماً أنه مورست بحق هؤلاء أشد أنواع التعذيب وأقساها. لكن صورة عهد قد وصلت أسرع، وصيتها قد سبقها إلى شاشات العالمين العربي والغربي، والسبب أن مشاهدها الموثّقة في مقارعة جنود الاحتلال ومصارعتهم بيديها النحيلتين قد ترسخت في أذهان الناس. ماذا يقول والد عهد، باسم التميمي، عن ابنته الطفلة بين تجربتها النضالية وحياتها الشخصية

بيروت حمود, باسل مغربي

■ لمّا ولدت ابنتكم عهد، هل كنتم تتوقعون أن مستقبلها سيكون على ما هو عليه اليوم؟
لا أعتقدُ أنّ أحداً يمكنه توقّع ما ستؤول إليه الأحوال مستقبلاً، ولا رسم سيناريو دقيق لذلك، لكنني أذكرُ أن رجلاً كبيراً في السن رأى عهد وحينها قال لي إنها «ستكون ذات شأنٍ عظيم مستقبلاً». عموماً هي ابنة محيط مليء بمظاهر الاشتباك المستمر مع الاحتلال الإسرائيلي، وقد نشأت في ظل هذه الظروف، وشكّل اسمها مسؤولية كبيرة على عاتقها، لكنّها كانت على قدر هذه المسؤولية، فحملت اسمها قلباً وقالباً.

■ كيف تصف لنا شخصية عهد بعيداً عن الشاشات؟
عهد في البيت مختلفة عمّا يرونه الناس على الشاشات أو خارج المنزل، فهي خجولة جداً، وهادئة، وتتحلى بقدر كبير من المسؤولية تجاه التفاصيل البيتية الصغيرة وتساعد والدتها وإخوتها. وبالمناسبة، هي لا تحبّ تسليط الضوء عليها، وتكره الظهور الإعلامي، وتؤمن بأن اشتباكها مع جنود الاحتلال يجب أن يكون اشتباكاً حقيقياً، وتكرّر دائماً «إن الاحتلال سرق أحلامنا كأطفال، وحرمني من تحقيق حلمي بأن أصبح لاعبة كرة قدم، وهو من أجبرني على التخطيط لدراسة القانون لأدافع عن أهلي وشعبي من بطشهم».

■ أين تتلقى عهد علومها؟ وكيف هو مستواها في المدرسة؟
طالبة في المرحلة الثانوية في مدرسة «البيرة الثانوية للبنات»، فرع أدبي. وهي متوسطة المستوى في نتائجها الدراسية.

■ بعيداً عن صورتها الشهيرة، المطبوعة في أذهان الناس… ماذا تحب عهد؟ وكيف تقضي أوقاتها العادية برفقة الأصدقاء؟
أحلام عهد تشبه أحلام أي فتاة عادية، ولكنّها مرتبطة بالقضية بشكل كبير ووثيق، لدرجة أنها لا تستطيع التنصل منها. وهي لا تُحبُّ أن يُشفق عليها أحد، ولا تحب لعب دور الضحية. أمّا بالنسبة إلى قضاء وقتها العادي فنظراً لأننا واقعون تحت الاحتلال، فإن الإمكانيات المتاحة ليست كثيرة إن لم تكن معدومة، لذلك تقضي عهد وقتها في البيت، في قريتها في النبي صالح، مع أترابها وصديقاتها. يلعبن سوياً، وأحياناً يذهبن للتنزه في مدينة رام الله.

■ ماذا لو كانت ابنتك تعيش في بلد مستقل لا احتلال فيه؟
أظن أنها كانت لتصبح لاعبة كرة قدم (قالها بحسم!).

■ هناك الكثير من الأطفال المناضلين في فلسطين… لماذا برأيك نالت ابنتك كل هذا التعاطف وخصوصاً من العالم الغربي؟
أولاً : لأنها ظهرت بصورة المُقاوم. إذ ظهرت مقاوِمة للاحتلال وجنوده، ولم تظهر كضحية، فلم تبكِ ولم تستجدِ العواطف، وهذا دليل على أن أحرار العالم يتعاطفون مع الصورة الحقيقية التي تجسّدُ مقاومة الاحتلال والظّلم حيثما كان. ثانياً: لأن مقاومتها لجنود الاحتلال جرى توثيقها في مشاهد مصوّرة، وهو المشهد نفسه الذي يتكرر منذ صغرها، بمعنى أن عهد صارت في أذهان الكثيرين في هذا السياق المقاوم للاحتلال بشكل مباشر. ثالثاً: إن الضجة التي شهدناها لم تكن إلا نتاجاً وتراكماً لأكثر من عشر سنواتٍ كانت فيها عهد دوماً أمام المحتل، ولذلك هذا التعاطف ليس وليد اللحظة.

■ فلسطين بلد يزخر بالأحداث التاريخية والمحطات النضالية، ما هو أهم حدث أثر في تكوين شخصية عهد؟
لا يوجد لحظة واحدة معيّنة ومحددة، بل بوسعي القول إن حياة عهد كاملة ساهمت بتكوين وإنضاج شخصيتها. إذ ولدت في زمن استشهد فيه ياسر عرفات «أبو عمار»، واستشهدَ خالها أمامها، لترى لاحقاً مشهد اعتقال والدها، ثم زيارتها لي في الأسر تحادثني من وراء الزجاج من دون أن تستطيع ملامستي، كلها محطات وأحداث دمغت شخصيتها بهذا الطابع ولا يمكن الفصل بينها.

■ من هي الشخصيات التي تعتبرها عهد قدوة لها؟ وهل هي متأثرة بشخصية معينة؟
ليس هناك شخصية واحدة، عهد تنتمي وتحب أي شخص تشعر أنه يقاتل من أجل الحرية، أو من أجل رفع الظلم. لذا كانت عهد مهووسة بالنماذج المقاومة، وهي ترى في نفسها امتداداً لمن سبقها من مقاومي الظلم والاحتلال، مهما كانت جنسيتهم، لذا فقد كانت تفتش دوماً عن أيقونات المقاومة في التاريخ، لا سيّما النساء.
■ هل هناك حزب أو حركة سياسية تنتمي إليها عهد؟ وإذا لم يكن فهل لديها تقدير أو إعجاب لأفكار أو أيديولوجية حزب معين؟

أنا لا أخفي انتمائي لحركة «فتح». لكن عهد لا تنتمي لأي حركة، ولا لأي حزب، فدوماً كانت تقول «أنا فلسطينية»، وطالما رأت في الأحزاب سبيلاً لتحرير الوطن ليس إلا. وقد قالت عهد مرة في أمسية شاركت فيها، مخاطبة الأحزاب «إذا مقدرتوش تلموا شملكم وتتوحّدوا، وبالتالي ترجّعلونا حيفا ويافا وكل فلسطين، فأنا أقول لكم مثلما قال غسان كنفاني: إذا كنتم مدافعين ضعفاء عن القضية، فمن الأجدر أن نغيّركم لا القضية».

■ هناك من يقول إنكم «تستخدمون أطفالكم لتوجيه العالم الغربي ولفت نظره»، كيف تعلق على هذا القول؟
نحن لا نستغل أطفالنا، ولا نستجدي عطف العالم أو تعاطفه مع قضيتنا. ما نفعله هو نقل الحقيقة، وقد كان لدينا موقع إلكتروني «تميمي برس»، وهناك قناة «آل تميمي» على موقع «يوتيوب»، وما نفعله هو توظيف هذه الوسائل والوسائط لنقل رسالتنا إلى كل العالم.

■ مددت محكمة الاحتلال اعتقال ابنتك وزوجتك حتى أسبوع آخر، في حال حوكمت ابنتك بالسجن، ومنعت من زيارتها ماذا تريد أن تقول؟
سأقول حينها إن هذا هو الاحتلال، وهذه هي قيمه ومبادئه، ولا يمكن أن نتوقع منه إلا الأذى. لذا سنصبر، ونقاوم حتى ننتصر ونحقق حلمنا بإقامة دولة فلسطينية على كامل تراب الوطن. ولن تثنينا أية خطوات قد يتخذها الاحتلال ضدنا.


توضيح بشأن المحامية الإسرائيلية

علمت «الأخبار» من مصادر فلسطينية موثوق بها أن المحامية التي أوكلت بالدفاع عن عهد التميمي، هي الإسرائيلية غابي لاسكي، التي تملك مكتباً للمحاماة في تل أبيب. وبحسب المعلومات المتوفرة فإن «لاسكي كانت أحد أعضاء حزب ميرتس الإسرائيلي. وقد خدمت في الجيش الإسرائيلي، وتولت مهمة الدفاع عن المجندات الإسرائيليات في المحاكم».
وفي رده على سؤال عما إذا كانت العائلة تعرف هذه المعلومات عن لاسكي، قال قريب العائلة بلال التميمي: «لسنا على علم بذلك، ولكن اختيار لاسكي لم يأتِ من فراغ، فقد تولت في السابق مهمة الدفاع عن عددٍ من النشطاء الذين اعتقلوا في قرى نعلين وبلعين والنبي صالح». وأوضح أنه «بعدما استشرنا اللجنة التنسيقية لمناهضة جدار الفصل العنصري، نصحونا بلاسكي، كونها نجحت في كسب عدد من القضايا. علماً أننا لا ندفع أتعاب المحامين في مكتبها، بل ندفع فقط الغرامات المالية أو الكفالات مقابل الإفراج عن المعتقل. وفي المقابل تتكفل اللجنة، المموّلة من الاتحاد الأوروبي، بدفع التكاليف الأخرى».
وعن خدمة لاسكي في الجيش الإسرائيلي، أوضح التميمي أنه «في الحقيقة، قلّة من الاسرائيليين لا يخدمون بالجيش، ومن خلال تجربتنا في المقاومة السلمية التي قدّمنا ايضاً فيها شهداء وجرحى وأسرى، تعرفنا على أشخاص رفضوا الخدمة في هذا الجيش ومنهم عاملون في مكتب لاسكي نفسها». علماً أن هناك محاميين فلسطينيين يعملان أيضاً في مكتب لاسكي ويعاونانها في القضايا الحقوقية.
وتابع: «هناك ليمور ونيري وغيرهما في مكتب لاسكي رفضوا خدمة الجيش وانضموا إلى منظمة كسر الصمت، وليمور نفسه شارك معنا في أكثر من مظاهرة وأصيب في قرية بلعين ودخل في غيبوبة لمدة شهر نتيجة إصابته». وختم بالقول «هناك ماض ربما يكون سيئاً، لكننا لا نحاكم شخصاً بدّل مواقفه السيئة إلى مواقف شجاعة».

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | BeirutHamoud@

عربيات
العدد ٣٣٦٠ السبت ٣٠ كانون الأول ٢٠١٧

«الأيقونة» والمرآة

جوي سليم

بين ليلةٍ وضحاها، أصبحت عهد التميمي أيقونة. والأيقونة هي عندما تُحوّل صورة أو مجموعة دلالات إنساناً إلى مفهوم، فلا يعود يمثّل نفسه بل يصبح وسيطاً لمعنىً يتجاوز إنسانيته ومحدوديتها
الأيقونة هي تكثيفٌ للمعنى. إن وقوف عهد أمام الجندي الإسرائيلي، وصراخها في وجهه، ثم صفعه، أشياء تمثل تعريفاً مشهدياً للمقاومة. حين تكون صغيراً هزيل البنية وأعزل مقابل جندي بضعف حجمك، يرتدي كامل بزته ويحمل سلاحه، من دون أن تعبأ بإمكانية قتلك في تلك اللحظة، فأنت تشكل لحظة أيقونية، إذا نجحت الكاميرا في تجميدها تستطيع أن تحفظها كمرجعية لتعريف المقاومة في ما بعد. هي لحظة تشبه صوراً أيقونية حفظها العالم تاريخياً مثل صورة الفتاة التي تحمل وردة مقابل جنود أميركيين في احتجاجات ضد الحرب على فييتام، أو مثل صورة الرجل الذي يقف بمفرده أمام مجموعة من الدبابات في ساحة تيانانمن الصينية.

«جيشٌ مخصيّ»

في مقالٍ نشرته مجلة “ذي نايشن” الأميركية، ورد أن “الرأي العام والساسة في إسرائيل استخدموا كلمات مخصي وعاجز، لوصف ما شعروا به حين نظروا إلى الجندي بالخوذة والدرع والسلاح، في مقابل طفلة ترتدي قميصاً زهرياً وسترة زرقاء تشتم الجندي وتصفعه”. استطاعت عهد أن تهزّ صورة الجيش الإسرائيلي. وصف “المخصي” في هذا المجال، هو للدلالة على تكسير صورة هذا الجيش، بما تحويه من ذكورة وقوة وهيمنة، كما أن “الخصي” في التحليل النفسي هو دليل على إدراك الإنسان ضعفه ومحدودية قوته، وأن مصيره في نهاية المطاف، الزوال.
تلاحق عهد الجندي وتصفعه، كأنها تصفع كل ما يمثل. لعلّ الجندي عندما نظر إلى وجه عهد، رأى فيه شبح “ليليت”، بطلة الأسطورة التلمودية التي تشكل إحدى أشهر قصص الميثولوجيا اليهودية. ليليت، المرأة الأولى التي خُلقت من تراب مثل آدم تماماً، قبل أن تتمرّد عليه وتترك الجنّة، فيخلق الله، من ضلع آدم هذه المرة، حواء، المرأة التابعة. تلك المرأة الأسطورية أصبحت رمزاً للشرّ والظلام لأنها تمردت فقط. في هذا السياق، يأتي تعليقا مسؤولين إسرائيليين، لتعزيز شيطنة عهد. يتوعد وزير دفاع الدولة التي تقول إنها تملك الجيش الأكثر تقدماً في العالم، أن عهد وأهلها “سينالون ما يستحقون”، أما وزير التربية فيدعو إلى حبس عهد “مدى الحياة”. لم يكن “جرم” عهد كبيراً، لكنه كان كافياً ليجلب العار لصورة الجيش الإسرائيلي أمام نفسه، ممثلاً بالجندي المصفوع، الأمر الذي استدعى كل هذا العقاب.

أيقونة لمن؟

قد تكون صورة الشهيد محمد الدرة آخر صورة فلسطينية ذات رمزية عالمية عالقة في أذهاننا. هناك صور ومشاهد كثيرة تلتها، من حرق عائلة الدوابشة، واستشهاد الأطفال على شاطئ غزة عام 2014، وأخيراً الطفل فوزي الجندي معصوب العينين ومحاطاً بمجموعة من الجنود الإسرائيليين. لكنّ أياً من هذه الصور لم تصل إلى المكانة التي وصلت إليها صورة عهد.
انتشرت صور الفتاة في الصحف العالمية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم. شاهدنا رسومات عدة لها، من بينها ما جعلها تركب حصاناً مع عنوانٍ مرافق يصفها بكونها «صلاح الدين» معاصراً.
في دراسات الإعلام، يلعب مفهوم “النظرة” (the gaze) بالمعنى اللاكاني دوراً أساسياً. في نظريته في التحليل النفسي، يضع لاكان “النظرة” كنتيجة لمرحلة المرآة، وهي حين يصبح الطفل واعياً لكونه مرئياً، بعد أن يشاهد نفسه للمرة الأولى في المرآة. عند هذه اللحظة، تخسر “الذات” درجة من استقلالها إثر إدراكها أنها موضوع مرئي، أي أن هناك رائياً، وبالتالي تصبح الذات قابلة للتشييء، مثلها مثل الطاولة أو الكرسي، تخسر فكرتها عن نفسها أنها ذات بالمطلق. بالنسبة إلى لاكان، عند لقاء “النظرة” بالوجه فقط نصبح موجودين بالنسبة إلى الآخر.
هذا المفهوم، يجعلنا نسأل أسئلة عدة في قضية عهد. عهد أيقونة لمن؟ “لنا” أم “للآخر”؟ لفلسطين أم لنظرة الغرب إلى فلسطين؟ أي لولا المعايير الغربية التي لا تعترف بالمقاومة المسلحة، هل كانت لتحتل عهد الجزء الذي احتلّته في الأسبوع الماضي؟ وهل الاحتفاء الفلسطيني والعربي بها كرمز، هو احتفاء قائم بذاته أو مرتبط عضوياً بمخاطبة الغرب؟
الإعلام الغربي انقسم قسمين: قسم متبَنٍ للرواية الصهيونية عن عهد، مشككاً في نياتها ونيات عائلتها (مثل صحيفة “واشنطن بوست”)، وقسم آخر يسبغ المديح على الطفلة وعلى مقاومتها، وهذا القسم نفسه هو من اعتبر عهد “أيقونة” و”رمزاً” للمقاومة الفلسطينية (مثل “نيوزويك” وغيرها). في الحالة الثانية، جرى التركيز كثيراً على فكرة المقاومة اللاعنفية، فكان لا يمر مديح لعهد إلا مع ذكر أن جميع أفعالها كانت “سلمية”، حتى جدعون ليفي أسبغ المديح على عهد في مقالٍ طويل في “هآرتس” العبرية، جعل من الفتاة “بطلةً فلسطينية لم تحمل مقصّاً حتى”، مشيراً فيه إلى أن ما سماه “انتفاضة الصفعات” قد تنجح حيث فشلت أشكال أخرى من المقاومة، سلمية أو لا سلمية”.
هذا النوع من التغطية يضع الهدف منها موضع تساؤل، فهل هو مجرد تضامن مع طفلة فلسطينية، أم هو ترويج لمقاومة سلمية، وبالتالي إقصاء الأشكال الأخرى من المقاومة. وكأن هذه التغطية تريد أن تقول لنا: “إذا كان لا بدّ من مقاومة، فلتكن بالقبضة العارية، فهذا هو نموذجنا المفضل، احذوا حذوه”. وكأنها تريد بهذا الشكل أن تتطهّر من الآثام اللاحقة بالإعلام لتواطؤه في معظم الأحيان مع الجانب الإسرائيلي، فتظهر داعمةً لنموذج معيّن للمقاومة، تبقى آثاره، على أهميتها، رمزية أكثر منها عملانية كما هي حال المقاومة المسلحة. هذا يشبه البورجوازي الذي يقدّم صدقةً للفقير، فيحرر ضميره من الشعور بالذنب، من دون أن يكون قد قدّم للفقير ما يجعله يشكل خطراً حقيقياً عليه.
مع العلم بأن عهد قالت في أكثر من مقابلة إنها مع المقاومة المسلحة ومع كل أشكال المقاومة ضد الاحتلال.
حتى وإن كانت الحماسة العربية لقضية عهد أكثر من معتقلين آخرين، سببها مخاطبة الغرب، أو التعامل مع الذات بمرآة الغرب، هل يمكننا أن ننكر حاجتنا إلى مخاطبة العالم، ولا سيما الآن، في زمن إعلان القدس من واشنطن، عاصمة إسرائيل؟ في زمن النهايات، أما من حاجة الى تذكير ببديهيات باتت تبدو بعيدة في ظل الجنون الأميركي، مثل أن هناك محتلاً واحتلالاً؟ مثل أن هناك بيتاً وقرية وأهلاً فلسطينيين، مقابل جندي صهيوني معتدٍ؟
القول بأن فلسطين ليست بحاجة إلى عهد، إلى صورة قبضتها الهزيلة في وجه الجندي المرتبك، هو عنادٌ طفولي، ومزايدة شعبوية تغذّيها مواقع التواصل الاجتماعي التي وصفها قبل سنتين الفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو بأنها منصة لـ«اجتياح الأغبياء». هذا من دون التطرّق إلى الحديث المثار منذ اعتقال عهد والمرتبط بـ”ملامحها الأوروبية” وبدور ذلك في التضامن معها أو في رفض هذا التضامن، مع كل ما ينطوي عليه هذا الحديث من تمييز جنسي وميزوجينية مستترين!
عهد طفلة فلسطينية، تواجه مع عائلتها وقريتها اعتداءات الجنود الإسرائيليين منذ زمن. هؤلاء قتلوا خالها وعمتها، اعتقلوا أمها وأخاها أكثر من مرة، فيما يصارع ابن عمها الموت بعدما استقرت رصاصة إسرائيلية في جمجمته قبل أيام. التضامن الغربي الذي يهدف بعض منه إلى حصر المقاومة بشكلٍ معيّن، لا يعني التبخيس بما قامت به عهد. عهد بطلة، لأن الإسرائيليين لا يريدون لأطفالنا أن يعيشوا طفولتهم، فلا يتركون خياراً أمامهم سوى البطولة بكل أشكالها.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | joyyslim@

عربيات
العدد ٣٣٦٠ السبت ٣٠ كانون الأول ٢٠١٧

الصحافة الغربية: الأولوية للرواية الإسرائيلية!

(أ ف ب)
لور الخوري

من غير المسموح الحديث عن عهد التميمي أو تقبّلها في معظم الإعلام الأميركي والفرنسي، إلا لسببين، أولهما شعرها الأشقر، وثانيهما، وهو السبب الأقلّ أهميةً بالنسبة لهؤلاء، كونها مجرّد «ناشطة سلميّة» للدفاع عن حقوق الإنسان، ناشطة وليست مقاوِمة. جرعة قليلة من «العنف» مسموحٌ بها إذاً ليكون الحديث عن ابنة قرية النبي صالح المحتلة في الضفة الغربية مقبولاً، لكن عندما يصل الأمر إلى صفع جندي إسرائيلي، يرتفع منسوب «الموضوعية» الغربية، تلك التي تحرّم على الفلسطينيين حتى البروباغندا أو الدعاية لصالح القضية الفلسطينية، وتضع كل فعلٍ مقاوم في المجهر الإسرائيلي، لتُخبر كيف يرى هؤلاء الحدث.

لم تخفِ معظم المقالات الأجنبية التي كُتِبت عن عهد التميمي، بطريقةٍ غير مباشرة، قناعة كاتبيها بالرواية الإسرائيلية التي تقول إن التميمي هي «مجرّد مدّعية» و«سلعة» تسويقية فلسطينية لـ «تشويه» صورة الجيش الإسرائيلي (وكأنّ صورته ينقصها تشويه!).
النفس الذي يدّعي الحياديّة يظهر بوضوح في تقريرٍ لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية في 19 كانون الأول، مع اختيارها استهلال تعريفها عن عهد التميمي باللقب الذي يطلقه عليها الإسرائيليون، وهو «تشيرلي تمبر (انفعال)»، مقتبس من اسم تشيرلي تامبل، أوّل طفلةٍ نجمة في هوليوود في الثلاثينيات. ويلي اقتباس السخرية الإسرائيلية، التركيز الواضح على رواية العدو عن «أسباب» اعتقاله لطفلةٍ في السادسة عشرة من العمر: «كانت التميمي تستفز الجنود بعنف». توافق «واشنطن بوست» على ذلك بالقول إنه يمكن رؤية كيف كانت التميمي، «وشعرها الجامح مرفوع برباط»، تقوم «بصفع وركل جنديّ، فيما صوّرت شابة أخرى المشاجرة عبر هاتفٍ ذكيّ».

ومن المضحك أيضاً أن تستشهد الصحيفة بتصريحٍ للمتحدث باسم شرطة الاحتلال، ميكي روسنفيلد، يقول فيه إن مزيداً من «التحقيق» سيجري لمعرفة ما حصل، ليكون ذلك بمثابةٍ تصوير اعتقال عهد التميمي وما سبقه أنه بمثابةِ حادثٍ فرديّ منفصل أو ردّ فعلٍ مبرمج، لا علاقة له بالانتهاكات الإسرائيلية اليومية بحق الفلسطينيين. وتتعزز تلك الفكرة مع عودة الصحيفة أخيراً إلى وضع عهد التميمي في خانة «البروباغندا» مع ذكر مقتضب لأسباب الفعل المقاوم الذي تقوم به، بالقول إنها كانت محطّ تركيز الإعلام في عامي 2015 و2012، مشيرةً إلى ما يقوله مدوّنون «موالون لإسرائيل» عن أن أفعال عهد التميمي «تمثيليّة» هدفها «كسب الحرب الإعلامية ضدّ إسرائيل عبر التلاعب الإعلامي»!
عدم تسليط الضوء على المسألة الأساسية، وهي أنّ جيش احتلالٍ اعتقل طفلةً بعدما قام بإطلاق النار على قريبها البالغ من العمر 14 عاماً، وهي انتهاكات يومية يقوم بها الإسرائيليون منذ عشرات السنين، ظهر أيضاً مع تركيز صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية في مقالها على الجدل القائم بين الإسرائيليين بشأن تفصيل «ردة فعل» الجندي المحتلّ الذي صفعته عهد، والذين انقسموا بين مؤيد لـ «انضباط» الجنود وآخرين معترضين على ذلك. إلّا أن المقال لم يذكر مثلاً أن الجنود الإسرائيليين كانوا يقفون في باحة منزل عائلة التميمي في الدرجة الأولى، ليشير بشكلٍ مقتضبٍ أنه قبل ساعات من «حادثة الصفع» أصيب قريب عهد برصاص المحتلّين، وكأن ذلك أيضاً حدثٌ منفصل أيضاً. الصحيفة لم تحرم عهد التميمي فقط من حقّ التركيز على قضيتها بتجرّد، بل آثرت ترسيخ فكرة أن الفتاة لا تستحقّ أن تكونَ رمزاً للمقاومة، بل هو جاهٌ مُنح لها عن غير قصدٍ من قبل الإسرائيليين: «مشهد أخذ الفتاة الشابة من منزلها قد يكون منح الفلسطينيين ضربة بروباغندا واضحة حرموا منها خلال المواجهة الأساسية (مشهد صفع عهد التميمي للجندي الإسرائيلي)».
تستكمل «حفلةُ» الموضوعية مع صحيفة «لوموند» الفرنسية ، التي اختصرت قصة عهد التميمي في فيديو لا يتعدّى الدقيقتين على موقعها الإلكتروني ، بدءاً من فيديو الصفعة. والمغزى من شريط «لوموند» طرح الجدل نفسه: «عهد التميمي أيقونة مقاومة إسرائيل بالنسبة للفلسطينيين… وكاذبة وممثلة بالنسبة للإسرائيليين». في تقريرٍ آخر، تركز الصحيفة على استخدام عبارة «الناشطة» لتوصيف عهد التميمي، وكأنّ هذه العبارة تمنحها بعض الشرعية، وتضعها في خانة المقاومة «اللاعنفية»، ما يجعل من المقبول الحديث عنها. وفي التقرير يرد فيديو «الصفعة» الشهير، من صفحة «فايسبوك» لمؤسسة إسرائيلية اسمها «المشروع الإسرائيلي» هدفها جمع التبرعات من أجل «مستقبل أفضل لإسرائيل»، نشرت الفيديو تحت عنوان «هذا ما على الجنود الإسرائيليين أن يمرّوا به». هكذا، ركّزت الصحيفة، كما منشور الصفحة الإسرائيلية، على فكرة أن الجنود الإسرائيليين لا يردّون على التميمي، وعلى القارئ أن ينتظر حتى الفقرة الأخيرة ليعرف الجانب الآخر من القصة، إذ بعد الحديث المطول عن الجدل الإسرائيلي بشأن ردة فعل الجنود «المنضبطة»، تقتبس الصحيفة بعضاً من أقوال باسم التميمي، والد عهد، يقول فيها إن الفتاة «كانت تطلب منهم الرحيل».
وسط كلّ الانحياز الواضح للرواية الإسرائيلية، تحلّى الكاتب الأميركي، بن إهرنرايك، ببعض الشجاعة ليكتب في مقال له في «ذا نايشين» أن الأكاذيب الإسرائيلية تظهر حقيقة أن «عهد بيّنت للإسرائيليين من هم في الواقع، وأن 50 عاماً من الاحتلال قد أفرغتهم كأمّة، وكيف يجعلهم ذلك أضعف وأكثر خوفاً كل يوم». وبعيداً عن تحسّره، في المقال، على شباب عهد التميمي وطفولتها، بقوله إنها لا تريد أن تكون بطلةً أو رمزاً بل «مراهقةً عاديّة»، عاد الكاتب ووصف الفتاة بأنها «رمز مقاومة الجيل الفلسطيني الجديد»، متابعاً أنها كشفت للعالم حقيقة أن إسرائيل هي «المتنمّرة». «لا تجعلوا عهد بطلة… دافعوا عن حريتها، لتكون يوماً ما امرأةً عاديةً في أرضٍ عادية»، يختم إهرنرايك دون أن يخبر من يتوجه إليهم، أن هذه الأرض «العادية» لن تأتي من العدم، بل يحرّرها أبطال، مثل عهد وغيرها كثر.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | laurekhoury@

عربيات
العدد ٣٣٦٠ السبت ٣٠ كانون الأول ٢٠١٧

التميمي و«الانتفاضة» في إعلام السلطة: تغطية بسقف محدد

رغم أن عهد التميمي شغلت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي على امتداد العالم، في وقت تحولت فيه إلى «أيقونة» تحاكي نموذج الأمل والألم للفلسطيني المكافح بالجسد والصوت، جاءت تغطية الإعلام الرسمي لقصتها باهتة وتقليدية، رغم أن عهد وأهلها يمثلون «مقاومة سلمية» كما تنادي بها السلطة في رام الله

رام الله ــ الأخبار
بينما كانت كبرى الصحف العالمية ووسائل الإعلام تركز على اعتقال الشابة الفلسطينية عهد التميمي، وتشرح تفاصيل نشأتها وطبيعة نضالها وتحديها جنود العدو، وأيضاً تسعى إلى أن تلتقي والدها وتتيح له منبراً كي يتحدث، خاصة بعد اعتقال زوجته وإحدى قريباته، كان الإعلام الرسمي للسلطة الفلسطينية يكتفي بالتغطية التقليدية التي تقوم على نشر أخبار الأحداث ووصفها، من دون أي تغطية خاصة أو موجة مفتوحة، مع أن النموذج الذي يقدمه آل التميمي من ناحية أو أخرى يطابق مفهوم المقاومة الشعبية والسلمية، على اختلاف المنطلق الذي تنادي منه السلطة، خاصة أنها صاحبة تجربة في «الرد» على استشهاد زياد أبو عين في إطار مشابه.

اعتقال التميمي مرّ على الشريط الإخباري في «تلفزيون فلسطين» كخبرٍ اعتيادي، وكذلك الحال مع «الوكالة الرسمية للأنباء» (وفا) وإذاعة «صوت فلسطين»، فيما أبرزت الوسائل الثلاث خبر «اتصال الرئيس محمود عباس» بوالد عهد كخبر رئيسي في بداية النشرات. أيضاً، مرت قصة التميمي مختزلة في «تحية» قدمها اللواء جبريل الرجوب خلال برنامج حواري عرضه التلفزيون الرسمي، لكنها أيضاً نالت انتقاداً بسبب التعبير الذي استعمله الرجوب.
أما على صعيد إنتاج فواصل قصيرة عن التميمي، في ظل أن زوايا قصتها وعائلتها كثيرة ولها مشاهد مصورة أيضاً، فهذا لم يرَ النور على الشاشة الرسمية التي ركزت في بعض أخبارها على ذكر أن العائلة مناضلة وتتصدر المسيرات السلمية الأسبوعية منذ سنوات طويلة في قرية النبي صالح قرب رام الله. ومع أن عهد التميمي قيد التوقيف والمحاكمة، لم يستثمر إعلام السلطة المشهد للحديث عما يعانيه عشرات الأسرى الأطفال في السجون الإسرائيلية، مع أن اعتقالها فرصة لتناول قضية الأطفال الأسرى بصورة شمولية، لكن لم تخصص حتى حلقة واحدة عن الموضوع. كذلك فإن الإعلام الفلسطيني عامة والرسمي خاصة يميل في قضية الأسيرات إما إلى أن يركز على قصة واحدة مؤقتاً وفق نبض الشارع ليتمكن من اللحاق به، وإما أن يتناول الموضوع بمناسبة موسمية سنوية كيوم الأسير الفلسطيني في شهر نيسان من كل عام.
على مدى سنوات ماضية، تبنّى الإعلام الرسمي خطاب الضحية، وصار من الصعب عليه التحول إلى خطاب المواجهة الشاملة، رغم أن السلطة نفسها أظهرت موقفاً يمثل فرصة للتصعيد والاستفادة من الرفض الشعبي لإعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن القدس. من جهة ثانية، ركز إعلام السلطة على كون عائلة التميمي مناضلة، لكنه لم يتحدث مثلاً عن أن عهد لا تزال على مقاعد دراسة الثانوية العامة، وأن ما يحدث معها الآن يهدد بتأخير دراستها أو حرمانها هذا الحق، أي أنه حتى لم يستطع الدمج بين خطاب الضحية والمواجهة ليحاكي حقيقة الألم والأمل معاً، التي تقوم على أن صورة الفلسطيني المقاوم لا تتناقض مع صورة الفلسطيني الضحية الذي يجرم العدو بحقه
كل ذلك يقود إلى السؤال: كيف غطى الإعلام الفلسطيني الرسمي إعلان ترامب وتداعياته؟ في البداية، لم يولِ إعلام السلطة اهتماماً كبيراً للخلفيات التي سبقت إعلان ترامب القدس عاصمة للعدو، بل بدأ التركيز على الحدث انطلاقاً من التصريحات الرسمية لقادة السلطة، فبث تصريحاً مسجلاً ومقتضباً لعباس بعد إعلان ترامب، وحوّل أبرز الجمل الرئيسية فيه إلى عناوين. ولأيام، بقي المسرح الإعلامي هادئاً تماماً كالمشهد السياسي الرسمي، فلم تنطلق الدعوات للمسيرات فور قرار ترامب، وهذا يعود إلى تأخر الرد السياسي على الإعلان، إذ غابت الإجراءات الفورية العملية، فيما اكتفى عبّاس بالإشارة إلى عقد اجتماع لـ«منظمة التحرير» لمناقشة الوضع مع بقية الفصائل، ثم الأخذ بالإجراءات التي يفرزها الاجتماع، لكن حتى الاجتماعات العربية سبقت هذا الاجتماع، في حين أن الشارع سبقهم كلهم.
لجهة المضمون، لم يعرض إعلام السلطة التبعات لما يترتب على إعلان ترامب بقدر تأكيده أن القدس عاصمة لفلسطين، وأنه قرار فارغ من مضمونه ولن يغير شيئاً من الواقع، مع أن القرار الأميركي لا يحمل نعش «عملية السلام» فحسب، بل تنجم عنه أبعاد خطيرة لأنه سياسياً يعني اعتراف واشنطن بالسيادة الإسرائيلية الكاملة على شرقي المدينة وغربيها، ثم تشجيع مزيد من الدول على اتخاذ القرار نفسه، وهو ما سيفرض أمراً واقعاً في مسار أي مفاوضات.
لكن، بعدما قررت حركة «فتح» التي تقف على رأس السلطة حشد المسيرات السلمية واعتماد المقاومة الشعبية مع توجه بعض المسيرات إلى نقاط التماس، بدأ نوع من التغير في تغطية الإعلام الرسمي، لكن ضمن سقف محدد لا يمكن تجاوزه: التغطية فقط، لا تحفيز الجمهور أو إنتاج مواد صحافية تدفع الفلسطينيين إلى الخروج. على سبيل المثال، أنتج «تلفزيون فلسطين» فواصل إعلامية يظهر فيها كلمات مقتبسة من تصريحات سابقة لرئيس السلطة، كذلك استعمل أغاني ثورية غابت منذ زمن عن شاشته. وبينما تحسّنت متابعة المسيرات والمواجهات، على خلاف المرات السابقة، جاء التركيز في البث المفتوح (والمحدود) على بعض المسيرات في عدة مناطق، وتحديداً التي ترعاها فصائل «منظمة التحرير»، مثل مسيرات: بلعين، نعلين، المعصرة، النبي صالح.
اعتمد «تلفزيون فلسطين» على شبكة مراسلين من محافظات مختلفة في الضفة والقدس وقطاع غزة لتغطية المسيرات، وخرج المراسلون في موجات مفتوحة، لكن لغرضٍ واحد، هو إسناد دعوات «فتح» وإنجاح مسيراتها، فيما لم يلحظ المشاهد أي مسيرات لـ«الجهاد الإسلامي» و«حماس». أما البرامج الحوارية، فركّزت على فكرة الاحتجاج والتنديد، وذلك باستضافة قيادات سياسية من تيار المنظمة.
مع ذلك، كانت كلمة نائب رئيس «فتح»، محمود العالول، خارج السياق قليلاً، وهو ما استدعى من منسق أعمال حكومة العدو في الضفة وغزة الطلب من العالول التراجع عن تصريحاته أو تقديم تفسير واضح لما يقصده بجملة «كل أشكال المقاومة مشروعة»، رغم أن العالول لم يشر إلى الكفاح المسلح أو أي طريقة بعينها. وخاطب «المنسق» العالول بالقول: «تذكر أن الكلمات لها انعكاسات وأن عليك مسؤولية… ممنوع التفوه بتصريحات تندم عليها لاحقاً، أنصحك بتوضيح أقوالك».
وهذه المرة، لوحظ أنّ إعلام السلطة ابتعد عن «تسخيف المظاهرات» مقارنة بالهبة الشعبية عام 2015، فلم ينتقص من قيمة الحجر كأداة مقاومة خاصة الإعلام المكتوب، كذلك فإنه توقف قليلاً عن لعب دور الضحية بشكل مبالغ فيه، وركز على أن الشعب في مواجهة الاحتلال، وأنه قادر على إسقاط قرار ترامب بوحدته واحتجاجاته. لكن الذي يؤمن به الفلسطينيون أن كل ذلك ينتهي بضغطة زرّ، عندما تقرر السلطة خفض الموجة.

عربيات
العدد ٣٣٦٠ السبت ٣٠ كانون الأول ٢٠١٧

بعض من أيقونات الثورة الفلسطينية

 ليلى خالد

أطلقت ضحكة طويلة عندما سألها القيادي وديع حداد عما إذا كانت مستعدة لخطف الطائرة. لم تتخيل أن ما تلقته من تدريبات عسكرية قد يؤهلها لفعل ذلك. ليلى ومعها الرفيق سليم العيساوي، يخطفان في عام 1969 طائرة «TWA» الأميركية رقم 840. بعد عام تكرر خالد التجربة مع رفيقها باتريك أرغويو، ليخطفا هذه المرة طائرة «إلعال» الإسرائيلية، الرحلة رقم 219 من أمستردام (هولندا)، غير أن أرغويو استشهد، فيما أوقفت السلطات البريطانية خالد، ليُطلَق سراحها بعدما خُطفت طائرة أخرى، من أجل الضغط على البريطانيين لإطلاق سراحها.

سهيلة أندراوس

بعد مذبحة تل الزعتر تفكّر في أن تصبح راهبة في أحد الأديرة، لكنها تعود عن فكرتها فتنضم إلى «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». تنتقل لاحقاً إلى بغداد لمتابعة الدراسة والتدريبات العسكرية الخاصة، قبل أن يختار القيادي الشهيد وديع حداد، في تاريخ 14/10/1977 «ثريا الأنصاري» (اسمها الحركي)، لتشارك ضمن فريق في تنفيذ عملية خطف طائرة ألمانية. رفاق أندراوس، نادية دعيبس، ونبيل حربي، وزهير عكاشه، استشهدوا أثناء اقتحام الإسرائيليين للطائرة بعدما هبطت في مطار عنتيبي في الصومال. أمّا هي، فأصيبت بعشر رصاصات، لتتنقل بعد ذلك أسيرة بين السجون الصومالية والألمانية والنرويجية حتى أُفرج عنها في عام 1999.

دلال المغربي

في مخيم صبرا للاجئين الفلسطينيين، تولد الطفلة دلال عام 1958، لعائلة هجّرتها العصابات الصهيونية من مدينة يافا. الطفلة التي حُرمت بحر فلسطين، تعود إليه شابة في عمر الـ20 ولكن هذه المرّة على متن زورق مطاطي مع مجموعة من الفدائيين الثوريين. تصل المجموعة التابعة للقطاع الغربي – الجناح العسكري لحركة «فتح» إلى سواحل حيفا في عملية خطط لها الشهيد خليل الوزير. من هناك تخرج مشياً على الأقدام لتختطف حافلة تقلّ ركاباً صهاينة متّجهين إلى تل أبيب. «المقاومة حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني»، هي الوصية التي تركتها الشابة التي ظهرت في الصورة جثة هامدة يشدها وزير الحرب الإسرائيلي، إيهود باراك، من شعرها. في العملية التي كان من المفترض أن يصل الباص المختطف فيها إلى الكنيست استشهد الفدائيون، وسقط عشرات الإسرائيليين بين جريح وقتيل.

تريزا هلسة

كانت في الثامنة عشرة من عمرها فقط، عندما قررت تريزا هلسة مغادرة مسقط رأسها: قرية الرامة في الجليل الأعلى لفلسطين. أمّا الوجهة فلم تكن بغرض السياحة، بل بهدف الانضمام إلى صفوف الثورة الفلسطينية. مع ريما عيسى، عبرت هلسة الحدود اللبنانية، وتاهتا هناك ثلاثة أيام متواصلة قبل أن يعثر عليهما فدائيون في حركة «فتح»، ويأخذوهما للتحقيق. في عام 1972، أي بعد عام من وصولها إلى لبنان، شاركت في خطف طائرة تابعة لشركة «سابينا» البلجيكية كانت متهجة إلى مطار اللد، لكنها وقعت في أسر الجنود الإسرائيليين بعد استشهاد اثنين من رفاقها في «مجموعة وليم نصّار» التابعة لمنظّمة «أيلول الأسود»، وقد تحررت من الأسر في سجن الرملة عام 1983 في عملية تبادل أسرى.

أمينة دحبور

مع محمد أبو الهيجاء، والشهيد عبد المحسن المحسن، وإبراهيم اليوسف، شاركت الفدائية أمينة دحبور (1947) باختطاف طائرة «إلعال» الإسرائيلية التي كانت متّجهة إلى مطار اللد من زيوريخ. كان ذلك في عام 1969، بعدما تلقت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، معلومات تفيد بأن الطائرة المفترض أنها مدنية كانت تحمل أسلحة وقذائف. هدفت تلك العملية إلى لفت أنظار العالم إلى قضية فلسطين، وكشف ممارسات الاحتلال أمامه. أمينة التي انضمّت في سن مبكرة إلى صفوف الجبهة، عرفت بين رفاقها وهي تعلّم المناضلات صناعة العبوات والقنابل. أسرت أمينة دحبور لمدة 12 عاماً في السجون السويسرية، ليطلق سراحها لاحقاً بعد خطف «الجبهة» طائرة أخرى لتحرير الأسرى الفلسطينيين.

عربيات
العدد ٣٣٦٠ السبت ٣٠ كانون الأول ٢٠١٧

بالأرقام | النساء والأطفال في المعتقلات الإسرائيلية

تصميم: سنان عيسى | للاطلاع على الانفوغراف كاملاً انقر هنا

القوانين والأوامر العسكرية التي تستند عليها قوات الاحتلال الإسرائيلي في تشريع اعتقالها للأطفال

■ قانون الطوارئ لعام 1945:تستند إسرائيل في اعتقالها للمواطنين الفلسطينيين، خاصة من المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية على قانون الطوارئ لعام 1945، رغم أن هذا القانون ألغي بمجرد صدور الدستور الفلسطيني؛ ولا يحق لإسرائيل استخدامه عند اعتقالها لمواطنين من الضفة الغربية وقطاع غزة.

■ الأمر العسكري رقم 1500: الذي أطلق العنان ليد الاحتلال الإسرائيلي في اعتقال أي مواطن فلسطيني، بصرف النظر عن عمره، لمدة 18 يوماً؛ دون عرضه على محكمة، ودون السماح له بمقابلة محاميه. ويسمح هذا الأمر بتمديد فترة الاعتقال هذه، حسب قرار القائد العسكري الإسرائيلي.

■ الأمر العسكري رقم 101: الذي يسمح بالحبس لمدة أقصاها عشر سنوات، كعقوبة على المشاركة في تجمع يضم عشرة أشخاص أو أكثر، تعتبره إسرائيل تجمعًا سياسيًا، أو المشاركة في توزيع مواد ضد الاحتلال الإسرائيلي، أو حتى رفع العلم الفلسطيني.
الأمر العسكري رقم 132: الذي يعتبر الطفل الفلسطيني الذي يتجاوز 16 عاماً، شخصًا ناضجاً.

عربيات
العدد ٣٣٦٠ السبت ٣٠ كانون الأول ٢٠١٧