يوسف عبدلكي… الجمال النائم في الأجساد المكلومة

يوسف عبدلكي… الجمال النائم في الأجساد المكلومة

«عاريات ضدّ الموتى» معرضاً في باريس

بعد توثيقه الوجع السوري عبر لوحات احتلها «الشهيد»، ذهب التشكيلي المتفرّد إلى الجسد العاري في موقف متمرد على زمن السبي والاغتصاب والخطف. معرضه الذي تستضيفه «غاليري كلود لومان»، يضم 33 عملاً بالأبيض والأسود حيث «المرأة السورية، بصدرها الثقيل وعينيها الفحميتين، تشعّ بكل مأساويتها وحسيتها المهيبة»

خليل صويلح

حطّت أعمال يوسف عبدلكي (1951) أخيراً، في «غاليري كلود لومان» الباريسية بسلام. نفضت عارياته عن أجسادهن بقايا آثار الانتهاك (النقدي؟) العنيف الذي رافق معرض التشكيلي السوري في دمشق مطلع هذا العام (الأخبار 23/12/2016). كأن الجسد الأنثوي لا يستعيد حريّته وبهاء روحه إلا بعبور ضفاف المتوسط، واستنشاق هواء آخر لا تلوّثه الأعراف القروسطية التي استيقظت على وقع فتاوى يسارية هذه المرّة.

ذلك أن الحملة التي واجهها يوسف عبدلكي باتهامات عجائبية مطعّمة بنكهة النشادر الثوري، خرجت من الأقبية الرطبة لميليشيات ثقافية، أرادت أن تعطي درساً في الأخلاق الثورية للربيع الأسود، لمن دفع فواتير ضخمة من حياته بسبب مواقفه الصلبة ضد الظلامية بكل ألوانها. أخاف قلم الفحم المخيّلات المريضة، بتفسير الجمال النائم في الأجساد المحزونة، على أنه نزوة في غير مكانها وزمانها، من موقع مقاومة الاستبداد والطغيان عن بعد. هدوء العاصفة، لم يمنع موقعاً ثقافياً ليبرالياً، قبل أيام، من أن يضيف لطخة سوداء فوق مناطق من الجسد العاري لأحد أعمال عبدلكي، بما يليق بمفهوم «حراسة الشهوة». وفقاً لما يشير إليه باسكال كينيار في كتابه «الجنس والفزع»، فإن الفزع «يتجلى في نظرة الآخر إلى العري، وحراسة الأعضاء المستورة، وترويض جسد أُنكرَ إلى درجة أنه مات وثُبّت في مكانه إلى الأبد بالمسامير».

«عصافير الجنة» (فحم على ورق ـــ 100 × 40 سنتم ــ 2009)

هكذا اتكأ هؤلاء إلى الجغرافيا، وأهملوا تاريخ الفنان بذرائع أيديولوجية وشعبوية تعمل على السطح لا أكثر. اتهموا عبدلكي بتجاهل ما يجري في البلاد من فجائع، والالتفات إلى العري، متناسين أنه صاحب مشروع، وليس صاحب سوبرماركت لبيع البضاعة الثورية تحت الطلب، فقد سبق وأنجز أعمالاً مبهرة، جوهرها الأساسي «الشهيد»، وإذا بها تنطوي على أسى عميق في توثيق الوجع السوري.
في صميم هذه الحملة عبودية من نوعٍ ما، لما هو مستقر، يرضي ذائقة اليوم، وبازارات الفن. أما أن تتوغل في منطقة محظورة، فهذا خط أحمر. ولكن متى تراجع عبدلكي عن هذا الخط؟ ومتى ساوم على مواقفه؟ جلّ ما فعله في معرضه «عاريات ضد الموتى» حسب عنوانه الباريسي، أن استعاد حقّاً مغتصباً، استباحته كليات الفنون الجميلة في العواصم العربية، حين منعت الموديل العاري من أروقة الجامعات لمصلحة الستر والعفة والطهارة.
يقول عبدلكي معلّقاً في حوارٍ معه: «عندما نلغي الموديل العاري في كليات الفنون الجميلة، كأننا نلغي الفعل المضارع من كتاب النحو في اللغة العربية».
نحو نصف قرن من احتجاب الجسد عن المحترف التشكيلي العربي، أطاحه عبد لكي بضربة قلم فحم واحدة، وموديل كابد كثيراً لإقناع صاحباته في خوض التجربة، فكان عليه أن يستبدل موديلاً بأخرى تحت ضغط الظروف القاسية التي تحيط بحيواتهن. وبدلاً من تحية هذا التشكيلي المتمرّد على المقاييس والمواصفات، نظراً إلى تحطيمه الأسوار العالية للجسد الأنثوي، في مواجهة زمن السبي والاغتصاب والخطف، حمل الغوغائيون معاولهم وفؤوسهم لوأد التجربة في مكانها من المقبرة التاريخية، ثم عادوا مظفرين إلى أقفاصهم الضيّقة كثوّار جدّد بدمغة لباس الميدان الافتراضي. طوال ثلاث سنوات، كان عبدلكي منهمكاً بإزاحة مشهد القبح المتراكم بقسوة، لمصلحة الجمال المسلوب تحت وطأة العنف والفتاوى وشجاعة الجهل، مستكملاً مشروعه المرهف في تمجيد زهرة الزنبق، وفزع السمكة، وطمأنينة الحلزون، ولاحقاً، إزالة الكدمات والندوب عن الأجساد المنتهكة بأنياب وحوش الفضيلة. وإذا برهافة قلم الفحم، لا تتوقف عند بهجة الاكتشاف والرصد والمعاينة، إنما تحلّق عالياً في إعادة الاعتبار إلى الفراغ، والمراهنة على إضاءة الكتلة المركزية بخطوط صارمة ومتقشفة، تمنحها بريقاً إضافياً، كما تكشف عن إيقاعاتها الداخلية المحتدمة، والظلال المدهشة لكائناته المتفتحة على مهل، فالألم يقتل اللون، وفق ما يقول إدواردو غاليانو. هكذا استكمل عناصر تكويناته بمقارعة الجسد العاري بوصفه امتحاناً جمالياً في المقام الأول، وليس انسياقاً وراء شهوانية طارئة، بقدر اهتمامه بإبراز التفاصيل والنتوءات والانحناءات التي يمنحها الجسد لتناوب الظل والضوء، فنحن بالكاد نقع على مناطق الإغواء، أو أننا لا نتوقف عندها في الأصل، لفرط سيلانها واندغامها في الكتلة. ستحضر أجساد منطفئة، مكلومة، خفرة، تحيل إلى ألم خفيّ، وحلم مجهض، وانكسار وتحدٍّ.

في معرضه الباريسي، سيحضر الموت في موازاة العري، أقله لجهة العنوان، فـ «عاريات ضد الموتى» يحيل إلى اشتباك سيميائي من نوعٍ آخر، بين الجسد بمساماته المتفتحة، واحتشاد الموتى فوق رقعة جغرافية واحدة، بين بسالة رعشة الحياة الأنثوية من جهةٍ، والصرخات المكبوتة للموتى، من جهةٍ ثانية. «لا أستطيع احتمال فكرة أن أحدهم يموت لأنه قال رأياً سياسياً، فكل شيء ممكن إصلاحه خلا الموت» يقول.
هنا يتوغل قلم الفحم بتشريح فجيعة الفقدان، بتأريخ المذبحة، وبإحصاء الخسائر الروحية المحققة. من جهته، يقول الناقد إيمانويل دايبه في تقديمه للمعرض الذي ضم 33 عملاً بالأبيض والأسود: «لم يتح لعبدلكي إنشاء طواطمه الخاصة، من أجل تحدي هذا المحظور. أبعد من المرأة، فإن عبدلكي يجعل المرأة السورية، بصدرها الثقيل وعينيها الفحميتين، تشعّ بكل مأساويتها وحسيتها المهيبة، على أوراق رسمه في الليل».
ويضيف: «سوريا بيضاء أم سمراء، أمر غير مهم حقاً، إذ – تحت القنابل- فإن كل نساء سوريا سوريات، رافضاً لكل تلصّص، يضخّم الأشكال الممتلئة لنساء شهيدات، ضمن تكوينات متناغمة وذات سكينة، كنساء التماثيل، ونساء الحدائق، عاريات كي نعتز بهنّ وننقذهنّ».
على الأرجح، لن تحدث هذه المرّة حملة مضادة لعاريات عبدلكي، على غرار ما حصل في البروفة الأولى للمعرض في دمشق. فقط أرشيف حيّ للجمال المخطوف، والموتى الأحياء.
وربما سنتذكّر طابعاً بريدياً أصدرته الحكومة الإسبانية في عشرينيات القرن المنصرم يحمل لوحةً عارية بتوقيع فرانسيسكو غويا. سنقول باطمئنان: الفرق بسيط، مائة عام فقط، علينا أن ننتظر، أليس كذلك؟«عاريات ضد الموتى» ليوسف عبدلكي: حتى 18 تشرين الثاني (نوفمبر) ــــ «غاليري كلود لومان» (باريس) ــ للاستعلام: claude-lemand.com

(فحم على ورق ـــ 50 × 65 ـــ 2016)

(50 × 64.5 سنتم ـــ 2015

(50 × 70 سنتم ــ 2015)

(50 × 70 سنتم ـــ 2015)

(فحم على ورق ـــ 50 × 56 سنتم ـــ 2015)

(50 × 65 سنتم ــــ 2016)

(فحم على ورق ـــ 50 × 65 ــ 2017)

«جمجمة وفراشة» (فحم على ورق ــ 150 × 150 ــ 2012)

«مزهرية ودم» (فحم وأكريليك على ورق ـــ 40 × 100 سنتم ـــ 2014)
ادب وفنون
“الأخبار” العدد ٣٣١٥ الجمعة ٣ تشرين الثاني ٢٠١٧

كلنا عاريات يوسف عبدلكي

بيار أبي صعب

بعد دمشق، جاء دور باريس. يوسف عبدلكي، الفنان السوري المبدع والمثقف الشجاع، حمل «عارياته» ومضى إلى عاصمة الأنوار، منفاه السياسي طوال ربع قرن (عاد إلى دمشق العام 2005)، ليعرضها في غاليري «كلود لومان» التي تحتضن أبرز التجارب العربية الحديثة في باريس. في العام الماضي، حين قدّم يوسف هذه المجموعة من الأعمال الفحميّة العارية والطبيعة الصامتة في «غاليري كامل» الدمشقيّة، قامت الدنيا ولم تقعد: لقد جمع المعرض، في جبهة واحدة أصوليي الربيع المزغول و«ثواره» الليبراليين على حدّ سواء. عاريات! يا للهول.

أين «الأخلاق»؟ أين «القيم»؟ «الفنان الذي يُحسب على المعارضة (…) وسبق أن نُفي واعتُقل، يفتتح معرضاً للموديل العاري (…) في خضم معركة حلب والمجازر بحق مدنييها»، كتب أحد مواقع «الربيع القطري»: كان ذلك قبل أن تتلو قطر فعل الندامة طبعاً، وتعترف بجرائمها في سوريا، ثأراً من الأخ الوهابي الأكبر الذي ضربها بلعناته! اليوم تحرّرت حلب، وعلى طريقها تتحرّر كل سوريا من الجراد الأسود الذي لا يحمل إلا الطاعون الفكري والحضاري، والخراب والموت. أما التحدّي الذي رفعه يوسف عبدلكي فما زال راهناً: المجاهرة بحريّة الفنّان، من قلب الجرح النازف، واستعادة الزمن التنويري النهضوي الحقيقي الذي لا يقوم ربيع عربي من دونه.
الموديلات العارية كما هو معروف جزء من تقاليد دراسة الفن التشكيلي وأكاديمياته، ونوع فنّي مكرّس في تاريخ الفن. ويوسف عبدلكي يعيد الاعتبار في معرضه الحالي إلى تقاليد الفن العريقة وجذوره الأكاديمية، وإلى التجارب النهضويّة التي خاضها رواد الفن الحديث وآباؤه، في دمشق وبيروت وعواصم عربية أخرى بعد عودتهم من الأكاديميّات الغربيّة. وقد ربطت كيرستن شايد، عالمة الأنثروبولوجيا والمتخصصة في تاريخ الفن، بين لوحات العري العربيّة التي أبدعها جيل الرواد في العالم العربي منذ الثلاثينيات، ومشروع النهضة القوميّة. وجمعت أعمالاً عارية بتوقيع مصطفى فروخ، وعمر الأنسي، وجورج داود قرم، لتبيّن آليات وتقنيات ومرجعيّات استعمال العري «بوصفه حمّالاً لمنظومة مفاهيم ومبادئ ترتبط بالقيم المدنية، والمدينية، وحقوق المرأة، والتقدم والمساواة، والتنوع، والحرية والديمقراطية في حقبة مفصلية هي النصف الأول من القرن العشرين». كان عنوان المعرض الذي احتضنته، ربيع 2016، الجامعة الأميركيّة في بيروت: «أنصار العري ــ الفنان المستنهض».
اليوم هدأت العاصفة طبعاً، لكن بشكل موقت بلا شك. فالردّات والرجعيّات تحيط بحلمنا النهضوي من كل حدب وصوب، طالعة من مستنقع الجهل والخوف والقهر الاجتماعي والحضاري والانغلاق… هذا المستنقع الذي يغذّيه الاستعمار، وترعاه الرجعيّات النفطيّة والإسلامويّة. لذلك يبقى رهان الفنان السوري مهدداً، وإنجازه الفنّي هشّاً ومعرّضاً للتدمير. بعض الجمهور الغربي في باريس سيتعامل مع هذه التجربة كمادة إيكزوتيكيّة: «عاريات» في زمن الدواعش والموت العظيم. لكنّها تجربة فكريّة قبل أن تكون جماليّة. فعل تمرّد على التصحّر الحضاري. أما زال هناك أكاديميّات فن عربيّة ـــ مغرباً ومشرقاً ـــ تلجأ في مناهجها إلى الموديل العاري؟ يوسف رسم في قلب المجزرة، طوال سنوات، في حضرة «موديلات» من طالباته، وخرج بمجموعة فحميّات مدهشة، مثقلة بالحزن والخوف والحداد. لوحات، لا يمكن إلا أن نراها امتداداً لأعماله المأسويّة السابقة التي تستعيد طقوس الفقد والعنف والحداد. هنا يقف إيروس في مواجهة ثاناتوس! لوحاته أيضاً تمجّد، كما أعمال المرحلة السابقة، روح الانتفاضة والمعارضة الأصيلة، من أجل القضايا الاجتماعيّة والوطنيّة والسياسيّة المحقّة التي منحها يوسف ورفاقه حياتهم وعمرهم ونضالهم. وما زالوا. كلا لم يتنازل يوسف قيد أنملة عن مبادئه… إنّه الأم الأصليّة التي تفضّل ابنها غير مفسوخ، وإن بقي في يد غير شرعيّة. تماماً كما عند بريخت في «دائرة الطباشير القوقازيّة». لذا تراه يقول لقتلة الحضارة، إن الثورة لا يرعاها الاستعمار، ولا يغذيها أهل الانحطاط والتخلّف. وإن الجسد أيضاً، (الجسد المعنوي والثقافي والاجتماعي والرمزي) حجر أساس في صرح الديمقراطيّة المنشودة. حين اعتقل هذا الفنان الأصيل في دمشق (تموز/ يوليو، 2013) كتبنا في «الأخبار»: «كلنا يوسف عبدلكي». اليوم نكتب: «كلنا عاريات يوسف عبدلكي».

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | PierreABISAAB@